رؤية شرق أوسطية: بعد 60 يومًا من التفاوض والضغط بين أمريكا وإيران .. هل يستمر "التصعيد المنضبط"؟
القاهرة 17 أغسطس 2026 (شينخوا) مع اقتراب انتهاء مهلة الستين يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق نهائي، لم يقترب الطرفان من التسوية المأمولة، لكنهما لم يصلا أيضًا إلى مرحلة تجعل الحرب الشاملة السيناريو الأكثر ترجيحًا، وفقا لمحللين تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا)).
ورأى المحللون أن المهلة تحولت من مسار للتوصل إلى تسوية نهائية إلى إطار هش لإدارة الصراع ومنع انفجاره، وسط مفاوضات متقطعة وضغوط اقتصادية وحصار بحري وتبادل للضربات، مع انتقال ثقل الأزمة إلى مضيق هرمز.
واتفق المحللون على أن انعدام الثقة والخلاف بشأن مضيق هرمز والملف النووي والعقوبات، إلى جانب استخدام الأدوات العسكرية لتحسين شروط التفاوض، حالت دون تحول مذكرة التفاهم إلى مسار سياسي مستقر، مرجحين دخول العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة من "التصعيد المنضبط"، مع استمرار الضغوط والتهديدات والتفاوض غير المنتظم واحتمال التوصل إلى تفاهمات جزئية.
وكان الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان قد وقعا إلكترونيًا مذكرة التفاهم في 18 يونيو الماضي، وحددت مهلة 60 يومًا قابلة للتمديد بموافقة الطرفين، على أن تنتهي في 17 أغسطس.
وتضمنت المذكرة إنهاء العمليات العسكرية والامتناع عن استخدام القوة، وترتيبات لرفع الحصار البحري والعقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة وفتح الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب التفاوض بشأن البرنامج النووي ومخزون اليورانيوم المخصب.
لكن المسار تعرض لانتكاسات منذ بدايته، إذ أُجلت محادثات كانت مقررة في سويسرا بعد يوم من توقيع المذكرة، قبل أن تبدأ محادثات تقنية في 22 يونيو الماضي، وربطت طهران مواصلة التفاوض بتنفيذ بنود أولية، من بينها رفع الحصار البحري وفتح هرمز وتخفيف القيود على صادرات النفط والإفراج عن أصولها المجمدة.
وفي يوليو الماضي، شهدت العلاقة جولة تصعيد عسكري واسعة، إذ أعلن ترامب في الثامن من الشهر انتهاء وقف إطلاق النار بعد تبادل جديد للضربات، بينما شنت القوات الأمريكية هجمات على إيران وردت طهران باستهداف قواعد ومنشآت أمريكية في دول بالمنطقة، وبعد أيام، أعلنت واشنطن استئناف الحصار البحري على السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية.
وفي 18 يوليو، أعلنت إيران توقفها عن تنفيذ التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم، متهمة الولايات المتحدة بانتهاك التزاماتها.
-- 60 يومًا من "الدبلوماسية الخشنة"
قال رئيس مركز التقدم العربي للسياسات في حيفا أمير مخول إن المفاوضات "لم تصل إلى اتفاق نهائي، لكنها في الوقت نفسه لم تنته أو تنهَر"، مشيرًا إلى الانتقال بين التفاوض والتهديد بالتصعيد والضغوط الاقتصادية والسياسية.
واعتبر أن واشنطن باتت تدرك حدود الخيار العسكري، إذ "لا إسقاط للنظام الإيراني تحقق، ولا البرنامج النووي أُلغي بالكامل، ولا القدرات الصاروخية الإيرانية انتهت"، ما جعل الدبلوماسية "ضرورة أكثر منها خيارًا ثانويًا".
وقالت الباحثة اليمنية المتخصصة في الشأن الإيراني أمل عالم إن حصيلة الستين يومًا "لم تكن إيجابية"، لكنها أظهرت حرص الطرفين على ضبط التصعيد وعدم الذهاب إلى حرب مفتوحة، رغم المحطات العسكرية الحادة.
وقال الباحث السعودي في مركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية عبد العزيز الشعباني إن "واشنطن وطهران لم تعالجا الخلافات الجوهرية، بل ركزتا خلال الفترة الماضية على إدارة الأزمة ومنع التصعيد"، مشيرًا إلى استمرار انخفاض مستوى الثقة بين الجانبين.
وأضاف أن واشنطن تريد التزامات بشأن البرنامج النووي والأمن الإقليمي والملاحة، بينما تريد إيران رفع العقوبات ومعالجة آثار الحرب والحفاظ على صورتها داخليًا وإقليميًا، موضحًا أن "كل طرف ينتظر تنازلًا من الآخر قبل أن يقدم تنازلاته".
ورأى أمير مخول أن منع العودة إلى حرب واسعة والإبقاء على قناة سياسية ودبلوماسية قابلة للاستخدام يمثلان إنجازًا، وأن عدم التوصل إلى اتفاق خلال المهلة لا يعني بالضرورة انتهاء المسار.
-- مضيق هرمز في قلب الأزمة
تحول مضيق هرمز إلى إحدى أكثر نقاط الصراع حساسية، بعدما كان الملف النووي والعقوبات في صلب المفاوضات.
وكانت إيران وعُمان قد شكلتا لجنة مشتركة لبحث الإدارة المستقبلية للمضيق وترتيبات الملاحة والخدمات البحرية، وتواصلت المحادثات بينهما خلال يوليو، وأعلنت طهران في مطلع أغسطس الجاري أن المفاوضات وصلت إلى مراحلها الأخيرة، وأن الجانبين يبحثان تحديد "مسار جديد" للملاحة يراعي حقوقهما السيادية والأمنية.
وقال أمير مخول إن هرمز يمثل بالنسبة إلى إيران "ورقة استراتيجية كبرى"، فيما اعتبرته الباحثة اليمنية أمل عالم "حجر عثرة في المفاوضات"، بسبب خشية طهران فقدان ورقة تراها مهمة، مقابل مخاوف واشنطن من تحول المضيق إلى أداة ضغط إيرانية مستمرة.
وقالت عالم إن انعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران "هو سبب الخروقات والتوترات وليس العكس".
ورأى الشعباني أن الولايات المتحدة قادرة عسكريًا على فرض نفوذ قوي على الملاحة، لكنه شدد على الفارق بين التأثير العسكري وفرض سيادة سياسية وقانونية مستقرة على المضيق.
-- خلافات تتجاوز المضيق
يرى المحللون أن الخلاف لا يقتصر على الملاحة البحرية، إذ ما زال ملف العقوبات والحصار الاقتصادي والبرنامج النووي محوريًا.
وقال أمير مخول إن إيران تطرح قضية التعويض عن خسائر الحرب، بينما تنظر واشنطن إلى الإفراج عن الأموال الإيرانية وتخفيف العقوبات تدريجيًا باعتبارهما جزءًا من الترتيبات الممكنة، مؤكدًا أن البرنامج النووي يبقى "جوهريًا".
وأضاف أن أي اتفاق جديد سيحتاج إلى آليات تنفيذ وضمانات تمنع التراجع السريع عن الالتزامات، فيما قال الشعباني إن العقبة الأساسية تتمثل في دخول الطرفين المرحلة الحالية دون إعادة بناء الثقة.
ورأت عالم أن الأسباب تتجاوز الخلافات الفنية إلى "الحسابات الاستراتيجية الخاطئة للطرفين وعدم إدراك كل طرف لحدود قوته ونقاط ضعفه مقابل الآخر".
-- حدود الخيار العسكري
يرى المحللون أن ارتفاع كلفة العودة إلى حرب واسعة يدفع الطرفين إلى إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا.
وقال الشعباني إن التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة "ليس قدرتها العسكرية"، وإنما "تكلفة الحرب الطويلة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا"، مشيرًا إلى تداعيات اضطراب الملاحة في هرمز على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
فيما قال مخول إن واشنطن لم تتمكن من تشكيل تحالف إقليمي واسع لخوض حرب جديدة، بينما توجد لدى معظم دول المنطقة مصلحة واضحة في منع عودة القتال، وأضاف أن إيران تدرك أن مواجهة جديدة يمكن أن تلحق أضرارًا واسعة بمنشآت النفط والغاز والبنية التحتية.
وقال المحلل العراقي وأستاذ جامعة بغداد عادل الغريري إن الولايات المتحدة تواجه قيودًا لوجستية واقتصادية وسياسية متزايدة، إلى جانب قلق حلفائها الخليجيين من امتداد الرد الإيراني.
وفي يوليو الماضي، أدى تجدد الحصار البحري والتصعيد في هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 9 بالمئة في جلسة واحدة.
-- الوسطاء وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا
ورغم تعثر المفاوضات المباشرة، بقيت قنوات إقليمية نشطة، إذ لعبت باكستان دور الوسيط في التوصل إلى مذكرة التفاهم، فيما واصلت سلطنة عُمان محادثاتها مع إيران بشأن هرمز، كما دعت الصين وباكستان في يوليو الجانبين إلى وقف الأعمال العدائية واستئناف المحادثات.
وقال مخول إن تركيا وباكستان ومصر والسعودية يمكن أن تؤدي دورًا في صياغة مخرج، إلى جانب دور محتمل للصين وروسيا.
ورأى الشعباني أن مضيق هرمز قد يكون نقطة البداية العملية لاستئناف التفاوض إذا توصلت إيران وعُمان إلى ترتيب مؤقت للملاحة يمكن البناء عليه، مرجحًا أن يبدأ الطرفان باتفاقات محددة ومؤقتة قبل الانتقال إلى ترتيبات أوسع.
-- "تصعيد منضبط" أم عودة للحرب؟
ومع اقتراب انتهاء المهلة، تتراوح الاحتمالات بين تمديد الإطار القائم والتوصل إلى تفاهمات مرحلية واستمرار الجمود أو العودة إلى مواجهة عسكرية أوسع.
إلا أن الاتجاه الغالب في تقديرات المحللين الذين تحدثوا لـ((شينخوا)) يميل إلى أن المرحلة المقبلة لن تشهد، على الأقل في المدى القريب، سلامًا كاملًا ولا حربًا شاملة.
وقال مخول إن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو "لا حرب شاملة ولا تسوية نهائية"، وإنما تفاوض متقطع وضغوط اقتصادية وتهديدات متبادلة وربما تفاهمات جزئية.
وذهبت أمل عالم إلى الاتجاه نفسه، مرجحة بقاء العلاقة ضمن حالة "التصعيد المنضبط"، لأن أيًّا من الطرفين لا يرغب في التراجع عن مطالبه، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن أضرار الحرب لن تتوقف عند حدود إيران والولايات المتحدة أو المنطقة.
وتوقع الشعباني استمرار دورة "الضغط والتفاوض والتصعيد والتهدئة"، مع بقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، ورجح أن تبدأ أي تسوية جديدة باتفاقات مؤقتة ومحددة قبل الانتقال إلى ترتيبات أوسع.
وقدم الغريري "الجمود المسلح" في مقدمة الاحتمالات، إلى جانب احتمال تمديد التهدئة بوساطة إقليمية، فيما اعتبر التصعيد الكبير احتمالًا أقل لكنه يظل قائمًا.
وبينما لم تعد المفاوضات الأمريكية الإيرانية تجري بصورة منتظمة، فإن استمرار محادثات إيران وعُمان بشأن هرمز وإبقاء طهران مذكرة التفاهم جزءًا من خطابها السياسي يشيران إلى أن الإطار لم يُدفن نهائيًا.
وبذلك، تبدو نهاية مهلة الستين يومًا أقرب إلى محطة جديدة في صراع طويل بين التفاوض والضغط، منها إلى موعد حاسم يفصل بين السلام والحرب، فيما يبقى الاختبار الرئيسي قدرة الوسطاء على تحويل التفاهمات الجزئية، وفي مقدمتها هرمز، إلى مدخل لمسار تفاوضي أكثر استقرارًا.






