(وسائط متعددة) مقالة خاصة: من الخوف إلى الفرح.. أطفال غزة يسبحون لاستعادة طفولة أنهكتها الحرب
غزة 22 أغسطس 2026 (شينخوا) تعالت ضحكات كاميليا هادي، ذات الشعر الذهبي، وهي تسبح بين عشرات الأطفال في مياه البحر قبالة مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تتشارك مع أقرانها لحظات من الفرح بدت مغايرة تماماً لواقع مريرعايشوه. وسط أصوات التشجيع وحركة الصغار في المياه، بدت كاميليا للحظات كأي طفلة في السابعة من عمرها، تستمتع باللعب دون التفكير في الخوف أو النزوح.
لكن وراء هذه الابتسامة قصة طفلة فاجأتها الحرب وهي في الرابعة من عمرها، لتكبر طوال السنوات الثلاث الماضية وسط النزوح وفقدان المنزل. حال كاميليا كحال عشرات الآلاف من الأطفال الذين لم يعرفوا في سنهم الصغير سوى أصوات الغارات، لكنهم وجدوا في البحر مساحة للضحك، وتعلّم مهارة جديدة، والابتعاد ولو مؤقتاً عن قسوة الواقع.
وتقول كاميليا التي احمرت وجنتاها من حرارة الشمس لوكالة أنباء ((شينخوا)) "أنا سعيدة جدا لأنني أتيت إلى البحر، لأنني أحب السباحة واللعب مع الأطفال. اليوم نسيت الخوف قليلا، وشعرت أنني مثل بقية الأطفال الذين يلعبون ويفرحون".
وتضيف "بسبب القصف والحرب، من النادر أن أستمتع بمثل هذه الأوقات مع عدد كبير من الأطفال... عندما بدأت الحرب كنت صغيرة جدا لكنني أتذكر الخوف والتنقل من مكان إلى آخر بعد أن فقدنا منزلنا ونزحنا أكثر من 20 مرة، وأتذكر أنني كنت أريد فقط أن أعود إلى بيتنا".
وتتابع أن الظروف الصعبة التي تعاني منها عائلتها تفقدها طفولتها وضحكتها، وجعلتها تتحمل مسؤولية لتأمين المياه والوقوف لساعات في طوابير طويلة وحتى شراء الخبز بعد انتظار طويل.
ولكن، تقول الطفلة "عندما أكون هنا أشعر أنني طفلة عادية، أضحك وألعب واتعلم السباحة. أتمنى أن نستطيع دائما أن نأتي إلى البحر وأن نعيش من دون خوف".
وكاميليا واحدة من نحو 1300 طفل وطفلة شاركوا في فعالية السباحة التي أطلقتها أكاديمية طنطيش لتعليم السباحة، في محاولة لإدخال الفرح إلى قلوب الأطفال وتعزيز ارتباطهم بالرياضة والبحر رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها.
ومن بين المشاركين أيضا الطفلة فرح حسن أبو حليمة، التي تقول لـ((شينخوا)) إن الخوف وعدم الارتياح رافقاها في البداية، قبل أن تتغير مشاعرها بعد انضمامها إلى تدريبات السباحة.
وتضيف"في البداية كنت أشعر بالخوف وعدم الارتياح، ولكن عندما سمعت بالتسجيل لهذه الدورات تشجعت. وعندما أتيت وجدت الأجواء جميلة للغاية، ينشطون الأطفال ويفرحوننا ويغيرون من نفسيتنا".
وبدأت فعاليات أسبوع "اسبح مع غزة" العالمي 2026 أمس الجمعة، والتي ستستمر على مدار أسبوع كامل، بمشاركة الأطفال في سلسلة من الأنشطة الرياضية والترفيهية، قبل اختتام الفعاليات بكرنفال غزة للسباحة في نهاية الأسبوع المقبل.
وتأتي الفعالية تمهيدا لانطلاق "كرنفال غزة للسباحة" في نهاية الأسبوع المقبل، والذي يتوقع القائمون عليه أن يجمع نحو 3000 طفل وطفلة ممن تعلموا السباحة خلال الصيف، في مشهد رياضي جماعي يهدف إلى منح الأطفال فرصة لاستعادة بعض مظاهر طفولتهم التي أثقلت الحرب تفاصيلها.
ويقول أمجد طنطيش، مسؤول أكاديمية طنطيش لتعليم السباحة، لـ((شينخوا)) إن أكثر من 11700 طفل تخرجوا من الأكاديمية منذ تأسيسها عام 1999، مشيرا إلى أن الفعالية الحالية تأتي في إطار محاولة لتسجيل رقم قياسي عالمي لأكبر عدد من الأطفال المشاركين في درس سباحة واحد.
ويضيف أن أكثر من 2500 طفل تعلموا السباحة خلال الموسم الحالي بعد إعادة إطلاق المبادرة في أعقاب الحرب، موضحا أن أسبوع "اسبح مع غزة" يتجاوز حدود القطاع، بمشاركة عشرات المواقع وآلاف الأشخاص حول العالم تضامنا مع أطفال غزة.
ويقول طنطيش إن إعادة إطلاق المبادرة بعد الحرب جاءت بهدف مساعدة الأطفال على تجاوز الصعوبات والصدمات النفسية التي خلفتها الحرب، ومنحهم "فرصة لاستعادة طفولتهم"، مؤكدا أن تعليم السباحة لا يقتصر على الجانب الرياضي، بل يوفر للأطفال أيضا مساحة للترفيه والابتعاد عن الظروف القاسية التي يعيشونها.
ويتابع أن المبادرة تحمل أيضا بعدا تذكاريا، إذ تهدف إلى تخليد ذكرى ستة مدربين قتلوا خلال الحرب، ومن بينهم شقيقه بهجت طنطيش، الذي أراد أن تبقى مبادرة تعليم السباحة مستمرة رغم فقدان عدد من القائمين عليها.
وفي الوقت الذي كان فيه الأطفال يضحكون في البحر، كانت خلف هذه اللحظات ذاكرة ثقيلة لحرب تركت آثارا عميقة على جيل كامل.
فقد قُتل أكثر من 21500 طفل فلسطيني في قطاع غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، فيما أصيب عشرات الآلاف منهم، وفقد آخرون آباءهم أو أمهاتهم أو منازلهم، وفقا لإحصائية أصدرها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في يوليو الماضي.
من جانبه، يرى عبد الله الجمل، مدير مستشفى الطب النفسي في غزة، أن الوضع النفسي في القطاع "كارثي"، خاصة بين الأطفال الذين يعانون اضطرابات نفسية ما بين المتوسطة والشديدة بسبب الحرب.
ويقول الجمل لــ((شينخوا)) "للأسف إن الأطفال يشعرون بعدم الأمان والخوف المستمر وهذا يؤثر سلبا على حياتهم ويعرضهم لصدمات نفسية متكررة مما قد يؤدي إلى اضطرابات طويلة الأمد"، لافتا إلى أن نسبة توفر الأدوية النفسية لا تتجاوز 50 بالمائة من الكميات التي كانت متاحة قبل الحرب.
وبحسب تقرير أصدره برنامج غزة للصحة النفسية في أكتوبر 2025 بعنوان "أزمة الصحة النفسية: عامان من العيش في ظل الإبادة الجماعية"، فإن 67.8 بالمائة من سكان قطاع غزة يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.
وأوضح التقرير أن 96 % من الأطفال يشعرون بأن الموت وشيك، بينما يواجه 92 % منهم صعوبة في التكيف مع واقعهم الجديد، وتظهر على 87 % علامات الخوف والكوابيس المستمرة.
كما أشار التقرير إلى أن أربعة من كل خمسة أطفال يتجنبون الحديث عن تجاربهم المؤلمة، فيما لوحظت سلوكيات عدوانية لدى نحو 73 % منهم، وهو ما اعتبره مؤشرا خطيرا على تدهور منظومة الأمان النفسي لدى الأطفال.■








