وجهة نظر: اختلالات واشنطن المالية.. خطر يتجاوز حدود الولايات المتحدة
بقلم: أحمد سلام
لم يعد تجاوز الدين القومي الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار مجرد رقم ضخم في سجلات الحكومة الفيدرالية، بل بات يعكس مشكلة أعمق في صلب أكبر اقتصاد في العالم.
وتتجاوز هذه المعضلة حجم الدين ذاته، حيث تثير تساؤلات أساسية بشأن قدرة النظام السياسي الأمريكي على اتخاذ قرارات مالية صعبة وطويلة الأجل، في وقت يتسع فيه العجز الهيكلي وترتفع فيه تكلفة خدمة الدين بوتيرة غير مسبوقة.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في ضخامتها فحسب، بل أيضًا في الديناميكيات المالية الكامنة وراءها، فمن المتوقع أن يبلغ العجز الفيدرالي نحو 1.9 تريليون دولار في عام 2026، بما يعادل 5.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويقدم مكتب الميزانية في الكونغرس توقعات أكثر إثارة للقلق على المدى الطويل، إذ يتوقع اتساع العجز إلى 3.1 تريليون دولار بحلول عام 2036، فيما يُتوقع أن ترتفع نسبة الدين الذي يحمله الجمهور من نحو 101 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي حاليًا إلى 120 بالمائة خلال العقد المقبل.
ويشير ذلك إلى حلقة مالية مفرغة تزداد صعوبة؛ فلم يعد الدين مجرد نتيجة لاستمرار العجز في الموازنة، بل أصبحت تكاليف خدمة الدين المتزايدة نفسها من العوامل الرئيسية التي تدفع إلى اتساع العجز.
ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تتجاوز صافي مدفوعات الفوائد الفيدرالية تريليون دولار في عام 2026، مقارنة بنحو 970 مليار دولار في عام 2025، وأن تقترب من 2.1 تريليون دولار بحلول عام 2036. ومن المتوقع أن ترتفع مدفوعات فوائد الدين إلى 4.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ3.3 بالمائة حاليًا.
ويمثل ذلك استنزافا متزايدا للموارد العامة التي كان من الممكن توجيهها إلى استثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات الإنتاجية.
هل تواجه الولايات المتحدة خطر التخلف عن السداد قريبا؟
الاجابة القاطعة هي : لا تواجه الولايات المتحدة، في المدى القريب، خطرا حقيقيا يتمثل في عدم قدرتها على سداد ديونها؛ لأنها تطبع العملة التي تسدد بها هذه الديون، وهي الدولار. كما أن لديها أكبر وأقوى سوق لسندات الخزانة في العالم، إلى جانب المكانة الرئيسية التي يحتلها الدولار في النظام المالي العالمي، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على الاقتراض والوفاء بالتزاماتها المالية.
ومن ثم، فإن القلق الحقيقي لا يتعلق بالتخلف عن السداد، وإنما بالارتفاع المطرد في تكلفة استمرار المسار المالي الحالي في غياب إصلاحات ملموسة.
هذه الأزمة، في جوهرها، تمثل تحديًا يتعلق بالحوكمة والإرادة السياسية بقدر ما تمثل تحديا اقتصاديا. وقد تحولت الملفات المالية شديدة الحساسية، مثل سقف الدين والسياسات الضريبية وبرامج الإنفاق الإلزامي، إلى أوراق ضغط سياسية في ظل الاستقطاب الحزبي الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين.
ومن دون توافر الإرادة السياسية لاتخاذ إجراءات صعبة وربما غير شعبية، كرفع الضرائب أو كبح الإنفاق الفيدرالي، يستمر تأجيل معالجة المشكلات المالية الأساسية، بما يزيد الأعباء على الأجيال المقبلة. وفي ظل السياسات الحالية، يُتوقع أن يصل الدين لدى الجمهور إلى 175 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2056.
لماذا ينبغي لبقية العالم أن يشعر بالقلق؟
تكمن الإجابة في الدور الفريد الذي يؤديه الدولار في النظام المالي الدولي. فهو ليس مجرد عملة للولايات المتحدة، بل العملة الاحتياطية الرئيسية وأحد ركائز التمويل العالمي.
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى استمرار استحواذ الدولار على أكثر من 57 بالمائة من احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية عالميًا. ومن ثم، فإن أي تغير كبير في تكلفة الاقتراض الأمريكي أو في الأوضاع المالية يمكن أن ينعكس سريعًا على الأسواق العالمية من خلال أسعار الفائدة وعوائد السندات وأسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال.
ومن هنا، تظل الاقتصادات الناشئة والدول النامية الأكثر عرضة للتأثر بهذه التداعيات، فعندما ترتفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وغيرها من أصول الملاذ الآمن، ترتفع تكلفة التمويل الخارجي للاقتصادات الناشئة، وقد تتعرض عملاتها لضغوط مستمرة نحو الانخفاض، فيما ترتفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار.
وقد تضطر الحكومات التي تواجه بالفعل قيودًا مالية شديدة إلى توجيه مواردها المحدودة إلى خدمة الديون بدلًا من الاستثمار في البنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم.
وفي الوقت نفسه، فإن التوقعات بانهيار وشيك للدولار تنطوي على قدر كبير من المبالغة. ولا شك أن هناك جهودًا دولية متزايدة لتنويع احتياطيات النقد الأجنبي وتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة البينية. ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس انهيارا مفاجئا للدولار، وإنما تحول تدريجي نحو نظام نقدي دولي أكثر تنوعا وتعددا للأقطاب.
ما الدروس المستفادة للاقتصادات العربية والإفريقية؟
لا شك أن هذه التطورات تضع واشنطن أمام اختبار حقيقي، ليس على المستوى المالي فحسب، بل سياسيا أيضا. وفي الوقت نفسه، تقدم هذه التجربة درسا مهما للاقتصادات العربية والإفريقية، وهو أن الاستقرار الاقتصادي لا ينبغي أن يعتمد بشكل مفرط على مصدر واحد للتمويل، أو على افتراض استمرار الظروف المالية العالمية المواتية إلى أجل غير مسمى.
ويمكن تعزيز قدرة هذه الاقتصادات على مواجهة الأزمات وذلك من خلال تنفيذ إصلاحات أعمق، من بينها تنويع علاقاتها الاقتصادية والمالية مع الخارج، وزيادة الإنتاج المحلي والصادرات، إلى جانب بناء احتياطيات وموارد مالية أقوى تساعدها على مواجهة الآثار السلبية للصدمات الخارجية، خاصة ارتفاع أسعار الفائدة وتقلبات أسعار الصرف.
خلاصة القول، إن تجاوز الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار ليس مجرد رقم قياسي يتصدر عناوين الأخبار، بل هو جرس إنذار حقيقي يعكس القيود المتزايدة التي تواجه الإدارة المالية لأكبر اقتصاد في العالم.
وإذا واصلت واشنطن تأجيل القرارات الهيكلية الصعبة، فإن تداعيات الجمود السياسي قد تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الولايات المتحدة. وقد يتحمل الاقتصاد العالمي في نهاية المطاف التكلفة في صورة تقلبات مالية أكبر، وشروط تمويل أكثر تشددا، وصدمات اقتصادية متكررة.
ملاحظة المحرر: أحمد سلام، هو خبير بالشئون الدولية، ووكيل وزارة سابق بالهيئة العامة للاستعلامات المصرية.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).








