من "طريق الحرير القطبي" إلى مسارات ملاحة جديدة مع الشرق الأوسط.. الصين تنوع ممراتها البحرية لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد

من "طريق الحرير القطبي" إلى مسارات ملاحة جديدة مع الشرق الأوسط.. الصين تنوع ممراتها البحرية لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد

2026-08-28 10:38:15|xhnews

بكين 28 أغسطس 2026 (شينخوا) غادرت سفينة الحاويات "برج دبي" من ميناء نينغبوه-تشوشان في مقاطعة تشجيانغ بشرقي الصين في منتصف أغسطس الجاري، ما يمثل بداية الخدمة الموسمية المنتظمة لمسار الشحن السريع للحاويات بين الصين وأوروبا عبر القطب الشمالي، وعلى متنها بضائع ذات قيمة مضافة عالية وحساسة للحرارة صينية الصنع مثل بطاريات طاقة ووحدات كهروضوئية ومكونات لمركبات الطاقة الجديدة.

ويستغرق المسار نحو 20 يوما للرحلة الواحدة، أي نحو نصف مدة الرحلة التقليدية عبر قناة السويس. ومن المقرر أن يعمل المسار بشكل رئيسي خلال الفترة من شهر يوليو إلى شهر أكتوبر، ومن المخطط إجراء ثماني رحلات على الأقل خلال العام الجاري.

ويعكس انتقال الصين من مسارات الملاحة التقليدية إلى استكشاف مسار جديد عبر القطب الشمالي تحولا عميقا يشهده نظام النقل البحري العالمي. وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت عدة مسارات ملاحة رئيسية لصدمات متعددة، في مقدمتها المخاطر الجيوسياسية.

ومنذ اندلاع جولة جديدة من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في نهاية عام 2023، انخفض عدد سفن الحاويات العابرة للبحر الأحمر في إحدى الفترات بنسبة تراوحت بين 60 و86 في المائة، فيما اضطرت أعداد كبيرة من السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة مسافة الرحلة بين آسيا وأوروبا بنحو 3500 ميل بحري وتمديد مدة النقل بما يتراوح بين 10 و14 يوما، وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع تكاليف النقل وانبعاثات الكربون.

وبالتزامن مع تداعيات أزمة البحر الأحمر، برز مضيق هرمز مجددا كبؤرة اهتمام رئيسية للملاحة العالمية. وفي مطلع العام الجاري، أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى أزمة في المضيق، ما تسبب في توقف أو تقييد شديد لنحو 20 بالمائة من حركة نقل النفط والغاز العالمية لفترة من الوقت، مع احتجاز ناقلات النفط والسفن التجارية وتقلبات حادة في أسواق الطاقة.

وفي ظل هذه المتغيرات، يتحول النقل البحري العالمي تدريجيا من التركيز على "أقصر مسار" و"الكفاءة أولا" إلى نموذج أكثر تنوعا يولي أهمية أكبر للأمن والتكلفة ومرونة سلاسل الإمداد. وأصبحت المسارات البديلة والنقل متعدد الوسائط وشبكات الموانئ أدوات مهمة للتعامل مع الصدمات الخارجية.

وتشكل تحركات الصين نموذجا مصغرا لهذا التحول، فمن جهة، تواصل الصين استكشاف مسارات جديدة باتجاه الشمال، بما يوفر خيارات لوجستية إضافية للتجارة بين الصين وأوروبا. ومن جهة أخرى، تعمل الصين على تسريع استكمال شبكة نقل بحري إلى الشرق الأوسط.

وفي أوائل فبراير الماضي، افتتح أول مسار منتظم لسفن دحرجة السيارات من ميناء خليج بيبو في منطقة قوانغشي ذاتية الحكم لقومية تشوانغ بجنوبي الصين إلى ميناء جبل علي في دولة الإمارات وميناء الملك عبدالعزيز بالدمام في السعودية بمنطقة الخليج العربي، بواقع رحلة واحدة على الأقل شهريا.

وامتد المسار المذكور من ميناء خليج بيبو إلى ميناء العقبة في الأردن في يوليو الماضي، حيث تم شحن أكثر من 2600 سيارة صينية الصنع، مسجلا رقما قياسيا لأكبر شحنة سيارات في رحلة واحدة عبر مسارات سفن الدحرجة في ميناء خليج بيبو.

وبالاعتماد على نموذج "الشحن من ميناء واحد"، يمكن إنجاز جميع العمليات في ميناء تشينتشو التابع لميناء خليج بيبو دون الحاجة إلى تغيير السفينة أو المرور بميناء وسيط، مما شكل سلسلة لوجستية متكاملة من المصنع إلى الميناء ثم إلى الأسواق الخارجية مباشرة. كما يمكن لميناء العقبة، باعتباره الميناء العميق الوحيد في الأردن ومركزا رئيسيا لتوزيع السيارات في غربي آسيا، أن يخدم أسواق الأردن وسوريا ولبنان وغيرها من أسواق المنطقة.

وفي أوائل أغسطس الجاري، افتتح ميناء شياوموه الدولي للخدمات اللوجستية في مقاطعة قوانغدونغ بجنوبي الصين مسارا لسفن الدحرجة إلى ميناء خورفكان في دولة الإمارات، الذي يتميز بموقعه على الجانب الغربي من خليج عمان، حيث يواجه المحيط الهندي مباشرة ويمكن الوصول إليه دون المرور بمضيق هرمز. ومن شأن المسار الجديد أن يوفر خيارا لوجستيا إضافيا للشركات الصينية المصدرة للمركبات والمعدات الثقيلة إلى الشرق الأوسط، وأن يقلص مدة النقل الإجمالية بما يتراوح بين ثلاثة وخمسة أيام.

كما امتدت شبكة النقل البحري الصينية إلى شمالي أفريقيا، ففي الربع الأول من العام الجاري، أطلق ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ بشرقي الصين سبعة مسارات جديدة للحاويات، من بينها مسار إلى شمالي أفريقيا يربط مباشرة بين ميناء غرب بورسعيد في مصر ومينائي بنغازي ومصراتة في ليبيا، ما أتاح إنشاء ممر بحري مباشر بين الصين ومصر وليبيا، وقلص مدة النقل بنحو 10 أيام مقارنة بالمسارات التقليدية.

ولا تقتصر هذه المسارات الجديدة على السعي إلى أقصر مسافة، بل تهدف، في ظل تزايد عوامل عدم اليقين في النقل البحري العالمي، إلى تعزيز مرونة سلاسل الإمداد من خلال تنويع المسارات وتوسيع شبكات الموانئ. وبالنسبة إلى الصناعات الصينية ذات المزايا التنافسية، مثل مركبات الطاقة الجديدة وبطاريات الطاقة، أصبح استقرار الشبكات اللوجستية جزءا مهما من القدرة التنافسية العالمية. ومع ارتفاع المخاطر التي تواجه المسارات البحرية الرئيسية، تعمل الصين على بناء شبكة لوجستية دولية متعددة الاتجاهات والموانئ والمستويات، بما يوفر مزيدا من اليقين لخروج المنتجات الصينية إلى الأسواق العالمية. 

الصور