رؤية شرق أوسطية: بعد نصف عام من الحرب... تراجع القوة والمصداقية الأمريكية وتصاعد الضغط الاقتصادي على إيران
عواصم عربية 28 أغسطس 2026 (شينخوا) بعد مرور نصف عام من الحرب الأمريكية على إيران، تراجعت فاعلية الخيار العسكري، وانعكس ذلك على صورة القوة والمصداقية الأمريكية، بالتزامن مع انتقال واشنطن إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية.
وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد شنتا هجوما على إيران في 28 فبراير 2026، استمر نحو 40 يوما، وردت طهران بقصف إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، كما شددت قبضتها على مضيق هرمز، وأعقب ذلك دخول واشنطن وطهران في مسار تفاوضي بحثا عن اتفاق، إلا أن الجهود لم تفض حتى اليوم إلى تسوية نهائية.
وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يوم الأربعاء الماضي أن بلاده صمدت وستواصل الصمود في مواجهة الضغوط الاقتصادية، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة، كما لم تتمكن خلال الحرب من تحقيق أي مكسب، "لن تنجح في هذه المرحلة أيضا في تحقيق مآربها عبر الضغوط الاقتصادية"، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا).
ويرى خبراء ومراقبون في تصريحات لوكالة أنباء ((شينخوا)) أن واشنطن اصطدمت بواقع مختلف؛ فعلى الرغم من استخدامها أسلحة متطورة وحديثة، فإن هذه الأسلحة لم تحقق الأهداف التي كانت تصبو إليها، ما دفعها إلى العودة لاستخدام أدوات الضغط الاقتصادي.
-- التقديرات الخاطئة تضعف مصداقية واشنطن
ويقول الدكتور محمد عبدالله أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات إن الولايات المتحدة دخلت الحرب على أساس تقديرات بأن العمليات ستكون قصيرة ومحدودة زمنياً، لكن استمرارها لنحو ستة أشهر يعكس فجوة واضحة بين الحسابات التي سبقت الحرب وتطورات الميدان.
ويرى الدكتور محمد الجبوري أستاذ الإعلام بالجامعة العراقية أن الولايات المتحدة حددت فترة قصيرة لإنهاء الحرب وكأنها في نزهة، واليوم ومع عدم تحقيق أهدافها فإن ذلك أثر على مصداقيتها في المنطقة والعالم، ومن أقرب حلفائها في المنطقة.
وأكد المحلل العسكري اليمني العقيد مجيب شمسان أن القراءة والتقديرات الأمريكية كانت خاطئة، لارتكازها أساسا على تصور وأهم بالقوة المطلقة والقدرات الراسخة لديها. لكنه اصطدم بواقع مختلف تماما، تبدلت فيه أدوات الحرب وتكتيكاتها ودوافعها وغاياتها.
من جانبه يرى البروفيسور السعودي مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الملك سعود، أن استمرار الحرب لنحو ستة أشهر يمثل تحدياً واضحاً للمصداقية السياسية والاستراتيجية للولايات المتحدة، خصوصاً إذا قورنت التوقعات الأولى للعمليات العسكرية بالواقع الحالي.
وقال إن "المشكلة ليست في طول الحرب وحده، وإنما في أن طولها يكشف صعوبة تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى نتيجة سياسية نهائية".. ولذا فإن "استمرار الحرب يفرض على واشنطن إعادة تعريف النجاح: من تحقيق حسم سريع، إلى إدارة صراع طويل واستنزاف قدرة إيران على الاستمرار، وهذا التحول بحد ذاته يؤثر في صورة القوة الأمريكية، لكنه لا يعني بالضرورة انهيارها".
وقال المحلل والكاتب في صحيفة الاتحاد الصادرة في حيفا، آرام كيوان، إن الولايات المتحدة وقعت في مأزق حسابات تقوم على عمل عسكري سريع يحقق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية في وقت قصير.. لذلك، فإن الضرر الذي أصاب الولايات المتحدة لا يقتصر على مسألة المصداقية، فالحرب أثارت أيضا مشاعر عداء أوسع تجاه واشنطن، إضافة إلى ما أحدثته من تهديد مستمر لطرق التجارة والطاقة العالمية.
ويرى المحلل السياسي العماني علي المطاعني أن مرور ستة أشهر من اندلاع الحرب التي قالت واشنطن إنها ستكون "عملية قصيرة"، ينعكس سلبا على مصداقية الولايات المتحدة وحتى على الثقة في حماية حلفائها وعلى مدى قدرتها على تحقيق أهدافها والوفاء بما تعد به.. لافتا إلى أن "كثير من حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط لم تعد لديهم الثقة الكاملة فيها".
-- تآكل الهيبة الأمريكية
ويؤكد شمسان، أن الولايات المتحدة فقدت تلك الصورة التي كانت مكونة عنها سابقًا، وهو الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام حالة من الرمادية وعدم الثقة بالولايات المتحدة، لا سيما بعد الضربات الأخيرة التي جعلت كل القواعد الأمريكية في المنطقة مكشوفة رغم أهميتها وحساسيتها.
ويرى الجبوي، أن طول أمد الحرب أدى إلى تراجع صورة القوة العسكرية الأمريكية، رغم الحشود الكبيرة من حاملات الطائرات والقوات التي دفعت بها واشنطن إلى المنطقة، ومع فشلها في تحقيق أهدافها داخل إيران، أصيب حلفاؤها بحالة من الارتباك وبدأوا بإعادة حساباتهم، فيما عززت مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتناقضة، بين التلويح بالتصعيد والدعوة إلى اتفاق، انطباع خصوم واشنطن بأنها تتجه نحو صفقة مع إيران.
لكن الدكتور المطيري، يرى بأن القوة العسكرية الأمريكية لا تزال متفوقة بصورة كبيرة، لكن الردع لا يقاس فقط بحجم القوة، وإنما بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها السياسية في فترة زمنية وتكلفة مقبولة.
ويقول كيوان، أن عقيدة ترامب في إدارة الحروب والأزمات تقوم على حسم الملفات العالقة بدل من إدارتها لفترات طويلة، وهو بذلك يتعامل مع الحسم بعقلية أقرب إلى عقلية السوق والصفقات، ولا يعني الحسم بالنسبة إليه استخدام القوة العسكرية بالضرورة، الأمر الذي أنعكس بدوره على هيبة الولايات المتحدة وقدرتها على الردع والحسم.
-- تعثر الحسابات الأمريكية أمام الصمود الإيراني
كما يقول المحلل العسكري اليمني شمسان، أن الولايات المتحدة فشلت في كسر الإرادة الإيرانية أو إسقاط النظام، رغم التفوق العسكري.. لافتا إلى أن إيران أظهرت استعدادا مسبقًا لمواجهة سيناريوهات استهداف قيادتها وبنيتها العسكرية، وتمكنت من إدارة الرد بصورة تدريجية واستنزافية.
وأضاف "مع انتقال واشنطن بعد 39 يوما من سقف أهدافها المعلنة إلى التعامل مع شروط إيرانية لوقف إطلاق النار، بدا واضحا أن استمرار الحرب دون حسم سريع تحول إلى عامل استنزاف، ومؤشر على تعثر الاستراتيجية الأمريكية في تحقيق أهدافها الأساسية".
وشاطره الرأي الجبوري، حيث اعتبر أن" إيران تمكنت من الصمود أمام الضغط العسكري الأمريكي بصورة كبيرة، وأفشلت الخطط والاستراتيجية الأمريكية التي كانت تقول إنها سوف تنهي الحرب خلال فترة قصيرة".
وذكر محمد عبدالله أن إيران رغم تعرضها لخسائر وأضرار عسكرية واقتصادية كبيرة، تمكنت من الصمود أمام الضغط العسكري ومواصلة المواجهة، معتبراً أن ذلك "لا يعني انتصارها عسكرياً، لكنه يعني في المقابل أن التفوق العسكري الأمريكي لم يتحول حتى الآن إلى حسم سياسي".
من جانبه، قال كيوان ، إن إيران تمكنت من الصمود، بالمعنى الأساسي للكلمة، لم تتفكك الدولة، ولم يسقط النظام، ولم تُجرّ طهران حتى الآن إلى تسوية مذلة تأتي مباشرة نتيجة هزيمة عسكرية ساحقة، ولذلك هذا الصمود الإيراني، يربك الطريقة التي يتعامل بها دونالد ترامب مع الأزمات.
-- إيران تحسن موقعها
بعد ستة أشهر من الحرب الأمريكية على إيران، ومن خلال مجمل المعطيات، تبدو إيران اليوم في وضع أفضل، بحسب المحلل العسكري اليمني شمسان، حيث يرى أنه بعدما تحولت العديد من نقاط القوة الأمريكية إلى نقاط ضعف، فالقواعد العسكرية في الخليج، وحاملات الطائرات التي كانت رمزا للقوة الأمريكية، أصبحت مصادر تهديد واستنزاف.
لكن الجبوري، يرى أن الحرب لا يوجد فيها رابح، فبعد ستة أشهر من الحرب القائمة، ورغم الدمار الكبير الذي ألحقته الأسلحة الأمريكية بإيران، لكن (الحرب) عززت من التفاف الشعب الإيراني حول نظامه.
من جانبه يرى عبدالله، أن إيران استفادت استراتيجياً من عامل الوقت، لأن إطالة الحرب تنقل جزءاً من الصراع من ميدان التفوق العسكري الأمريكي إلى ميدان القدرة على التحمل والاستنزاف.
ويعتقد كيوان أنه وبالنظر إلى الوضع بعد ستة أشهر وإلى الاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه بين الطرفين، فإيران أصبحت، نسبيًا، في موقع استراتيجي أفضل مما كان متوقعا لها عند بداية الحرب، مشير إلى أن طهران " لم تنتصر بالمعنى العسكري التقليدي، لكنها حصلت على شروط أفضل من السيناريو الذي كان مطروحا عند بداية المواجهة".
-- سيناريوهات المرحلة القادمة
ورجح البروفيسور السعودي المطيري استمرار الضغط المتبادل بين واشنطن وطهران مع انتقال المواجهة تدريجيا من العمل العسكري إلى العقوبات والتفاوض غير المباشر، وذلك بعدما استطاعت إيران تحقيق قدر مهم من الصمود، في حين أن واشنطن حتى الأن لم تتمكن من تحقيق حسم سياسي سريع، رغم أنها لا تزال أقوى بكثير ماديا.
كما رجح عبدالله، أن تشهد المرحلة المقبلة استمرار الضغط المتبادل بالتوازي مع اتصالات سياسية غير مباشرة، وصولاً إلى تفاهمات جزئية قد تمهد لاحقاً لمسار تفاوضي أكثر شمولاً.
-- الضغط الاقتصادي بديلًا عن المواجهة
ويؤكد الجبوري، أن انتقال واشنطن من الخيار العسكري إلى تشديد العقوبات الاقتصادية وتكثيف الحصار الاقتصادي على إيران يعد اعترافا واضحا بفشل الخيار العسكري الذي اتخذته، كونه لم يحقق الأهداف التي كانت واشنطن ترجوها.
لكن المطيري، يعتقد أن الانتقال إلى الضغط الاقتصادي لا يعني تخلي واشنطن عن الخيار العسكري، بل يعكس إدراكها أن القوة العسكرية وحدها لم تحقق أهدافها، لذلك تسعى إلى تقليص قدرات ايران على تمويل الحرب والوصول إلى النظام المالي العالمي، والانتقال من استراتيجية تدمير القدرة العسكرية إلى استراتيجية استنزاف القدرة على الاستمرار.
-- العقوبات الأمريكية في مواجهة الخبرة الايرانية
يؤكد الدكتور عبدالله أن واشنطن تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد الإيراني، لكنها تواجه صعوبة في إغلاق جميع قنوات التجارة الإيرانية، نظراً إلى الخبرة التي راكمتها طهران على مدى عقود في التعامل مع العقوبات.
وفي السياق ذاته يؤكد الجبوري، أن تشديد العقوبات على إيران من شأنها أن تؤثر على الاقتصاد الإيراني في البداية، لكن إيران لديها خبرات طويلة في الالتفاف والتخلص من العقوبات الامريكية خصوصا وأن لديها حدود مع 15 دولة وهي حدود بعضها مائية وبعضها جبلية ووعرة، ما يجعل ضبط هذه الحدود مهمة صعبة أو على الأقل عدم السيطرة عليها بسبب طبيعتها الجغرافية.
ويشاطرهما الرأي المطيري، إذا يؤكد أن الولايات المتحدة تستطيع تقليص صادرات النفط الإيرانية، لكن الوصول إلى الصفر صعب، بسبب خبرة إيران الطويلة في الالتفاف على العقوبات عبر الوسطاء والناقلات وشبكات النقل.
-- الورقة الاقتصادية.. تفاوض أم تصعيد؟
حول إمكانية أن يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى تقديم تنازلات والعودة إلى التفاوض، أو نحو مزيد من التشدد والتصعيد، فإن المطيري، يرى أن كلا الاحتمالين وارد؛ فقد تدفع الضغوط الاقتصادية إيران إلى التفاوض، أو إلى مزيد من التشدد ورفع كلفة المواجهة، خصوصا عبر أدواتها في أمن الملاحة والطاقة ومضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى اضطراب أسواق النفط والغاز وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
من جانبه، يؤكد الدكتور عبدالله أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يمثل حافزاً للتفاوض إذا وصلت القيادة الإيرانية إلى قناعة بأن تكلفة استمرار المواجهة أصبحت أكبر من تكلفة التسوية، لكن في الوقت نفسه هذه العقوبات قد تؤدي إلى نتيجة عكسية إذا اعتقدت طهران أن الهدف النهائي هو إخضاعها بالكامل أو تغيير النظام السياسي فيها.
ويرى البروفيسور المطيري أن الحرب الاقتصادية قد تضعف إيران، لكنها لا تضمن تغيير سلوكها السياسي، وقد تتحول إلى استنزاف طويل إذا غاب المسار السياسي، ولذلك يبقى الجمع بين الضغط الاقتصادي والتفاوض السياسي غير المباشر الخيار الأكثر واقعية لتحويل العقوبات إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
بدوره، يعتقد الجبوري أن حملة الضغوط الاقتصادية الأمريكية على إيران لن يدفع الأخيرة على تقديم تنازلات، فهي لا تزال لحد الآن تصر على عدم العودة للتفاوض، ومع تشدد واشنطن فإن طهران تتشدد أيضا، لذلك ربما تعود القضية إلى نقطة الصفر وقد تستأنف الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران وهذا سيكون له تداعيات على المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.








