مقالة خاصة: ستة أشهر على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.. كيف هزت تداعياتها العالم؟

مقالة خاصة: ستة أشهر على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.. كيف هزت تداعياتها العالم؟

2026-08-29 14:39:00|xhnews

بكين 29 أغسطس 2026 (شينخوا) يصادف يوم الجمعة مرور ستة أشهر على شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية واسعة النطاق على إيران. وخلال هذه الفترة، انتقلت العلاقة بين واشنطن وطهران من مواجهة حادة إلى حالة من الجمود تتمثل في "لا حرب ولا سلام"، لتجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة يصعب الخروج منها: لا حسم عسكريا، ولا اتفاق سياسيا، ولا انسحاب من دون كلفة. ويشير محللون إلى أن تداعيات الحرب لم تقتصر على تفاقم أزمة الطاقة واضطراب الملاحة، بل امتدت إلى كبح النمو الاقتصادي العالمي وزعزعة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، فيما كشفت في الوقت ذاته عن نقاط ضعف في الهيمنة الأمريكية.

-- أربع مراحل

يمكن تقسيم مسار التصعيد والجمود خلال الأشهر الستة إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى: المواجهة الحادة من 28 فبراير إلى 6 أبريل. في 28 فبراير، شنّت الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل ضربات عسكرية واسعة النطاق على إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آنذاك علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين والقادة العسكريين الإيرانيين. وعلى مدى أكثر من شهر، واصلت القوات الأمريكية والإسرائيلية استهداف منظومات الصواريخ والدفاع الجوي والقوات البحرية والمنشآت النووية الإيرانية، سعيا إلى تحقيق حسم سريع للحرب، بينما ردّت إيران باستهداف قواعد أمريكية في الشرق الأوسط ومنشآت إسرائيلية، وفرضت قيودا شديدة على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

المرحلة الثانية: القتال المصحوب بالتفاوض من 7 أبريل إلى أواخر يونيو. في 7 أبريل أعلنت الولايات المتحدة تعليق غاراتها الجوية على إيران. وفي 11 أبريل، بدأت الجولة الأولى من المحادثات في إسلام أباد، عاصمة باكستان، من دون التوصل إلى نتيجة، فأعلنت الولايات المتحدة فرض حصار بحري على إيران. وعلى مدى أكثر من شهرين، تواصل الطرفان تحت رعاية وسطاء، وبقيا شكليا في حالة وقف لإطلاق النار، مع اشتباكات منخفضة الحدة. وفي 18 يونيو، وقع الطرفان مذكرة تفاهم تعهدا فيها بإنهاء الأعمال العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز، وحددا مهلة 60 يوما للتوصل إلى اتفاق نهائي.

المرحلة الثالثة: تجدّد المواجهة من أواخر يونيو إلى أواخر يوليو. بعد نحو أسبوع من توقيع مذكرة التفاهم، استأنفت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران، متذرعة بهجوم إيراني على سفن تجارية. وحتى نهاية يوليو، تبادل الجانبان سلسلة من الضربات بوتيرة أعلى مما كانت عليه خلال المرحلة الثانية، ولكن دون بلوغ مستوى العنف الذي اتسمت به المرحلة الأولى.

المرحلة الرابعة: الضغط الاقتصادي من أغسطس فصاعدا. منذ مطلع أغسطس، لم تقع مواجهة عسكرية مباشرة، وبقي الجمود قائما. وحولت واشنطن ثقل الضغط إلى حظر تصدير النفط والعقوبات المالية، وأعلنت في 24 أغسطس حزمة عقوبات جديدة وصفتها بـ"العزل الاقتصادي" لإيران.

-- تداعيات متعددة الأبعاد

أثّرت الحرب على الشرق الأوسط والعالم على مستويات عدة:

أولا، اضطراب حاد في إمدادات الطاقة العالمية. تعرّضت الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُوصف بأنه "حنجرة الطاقة" في العالم، لضربة قاسية، إذ تراجع عدد السفن التجارية العابرة يوميا من متوسط 130 إلى 140 سفينة قبل الحرب إلى أقل من 10 سفن حاليا. وقفز سعر خام برنت من نحو 70 دولارا للبرميل في أواخر فبراير إلى أكثر من 126 دولارا في ذروته، قبل أن يستقر عند نحو 88 دولارا. وقدّر البنك الدولي في يونيو أن النمو العالمي قد لا يتجاوز 1.3 بالمائة هذا العام إذا استمر اضطراب إمدادات الطاقة، مع ما يحيق بالعالم من مخاطر مالية.

ثانيا، تعزّزت قدرة إيران على المناورة الإستراتيجية. فعلى الرغم من تضرر قوتها العسكرية التقليدية، احتفظت طهران بقدراتها غير المتكافئة وعزّزتها، واستخدمت قدرتها على تقييد الملاحة في هرمز لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة. ويرى دانيال بايمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي أن مضيق هرمز أصبح "رافعة تضغط بها إيران على واشنطن في المفاوضات".

ثالثا، تسارع جهود الدول العربية لتنويع خياراتها الأمنية. فلم يعد وجود القوات الأمريكية في المنطقة يشكل ضمانة بالضرورة، بل أصبح في حد ذاته عرضة للاستهداف، فيما تحمل الحلفاء أنفسهم كلفة بعض الضربات التي طالت أراضيهم. وكما كتبت دانا سترول، المسؤولة السابقة بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، في مقالة، فإن حرب إيران قد تسهم في تشكيل شرق أوسط "ما بعد أمريكا"، حيث تتراجع ثقة الدول بواشنطن وتبتعد سياساتها عنها. وفي أوائل أغسطس، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك، ووصفها بعض المراقبين بأنها مؤشر على تنامي الاهتمام بترتيبات أمنية إقليمية أكثر تنوعا.

-- نقاط ضعف في الهيمنة الأمريكية

كشفت الحرب عن مواطن ضعف في الهيمنة العالمية للولايات المتحدة:

أولا، الارتجال في اتخاذ القرار وغياب الإستراتيجية. وكما يشير ماكس بوت من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، فإن المشكلة الأمريكية المزمنة، من أفغانستان إلى العراق ثم إيران، تتمثل في سهولة الشروع بالحرب والدقة في تنفيذ الضربات، لكن لا يمكن للتفوق العسكري أن يعوض فشلا استراتيجيا.

ثانيا، ضغوط متزايدة على المنظومة العسكرية والصناعية الأمريكية وعجزها عن تحمّل الاستنزاف. فقد امتدت مهمة حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى ما يتجاوز مدتها المقررة ضمن ظروف قاسية، وسُجّلت حالات انهيار نفسي بين جنود قفز بعضهم في البحر. فيما استُنزفت مخزونات صواريخ الاعتراض لمنظومات الدفاع الجوي، ولا سيما "باتريوت" و"ثاد"، وتراجعت مخزونات الذخيرة. ويرى محللون أن الحرب كشفت عن فجوة بين سرعة استهلاك الأسلحة والذخائر في حرب عالية الشدة، وبين قدرة القاعدة الصناعية على تعويضها بالسرعة نفسها، فضلا عن الحاجة إلى زيادة إنتاج ذخائر أقل كلفة وأكثر سهولة في التجديد.

ثالثا، تباين مواقف الحلفاء. أظهرت الحرب أن الشراكات الأمنية في العالم لا تعني بالضرورة توافقا كاملا في المواقف أو استعدادا للمشاركة في كل مواجهة عسكرية. وعندما طلبت الولايات المتحدة سفنا للمرافقة في مضيق هرمز، رفضت ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وأستراليا واليابان الطلب أو تعاملت معه بفتور، كما رفضت إسبانيا وفرنسا وغيرهما، أو قيدت، استخدام الولايات المتحدة لمجالها الجوي وقواعدها المشتركة. وذكرت وكالة ((أسوشيتد برس)) في تحليل لها أن تكرار رفض الحلفاء طلبات واشنطن يعكس تراجعا واضحا في قدرتها على حشد التأييد السياسي لمواقفها.

ويلاحظ محللون أن هدف الإدارة الأمريكية من شن الحرب كان إظهار القوة داخليا وخارجيا، لكن استمرار الجمود في مواجهة إيران قلب المسار. وعلّق آرون ديفيد ميلر من مؤسسة كارنيغي الأمريكية للسلام الدولي قائلا إن واشنطن "تبحث بيأس عن مخرج، لكنها لا تقترب من الباب"، مضيفا أن العملية المسماة "الغضب الملحمي" تحوّلت إلى "الكارثة الملحمية". 

الصور