رسالة من الشرق الأوسط: من حروف غامضة إلى جسر بين الحضارات

رسالة من الشرق الأوسط: من حروف غامضة إلى جسر بين الحضارات

2026-08-29 05:02:15|xhnews

بقلم: عباس سيد

القاهرة 28 أغسطس 2026 (شينخوا) كانت أول حروف صينية رأيتها في حياتي مجرد علامات غريبة لم أكن أفهم منها شيئًا، لم تكن لها، بالنسبة لي، دلالة أو صوت أو معنى، ولم أكن أتصور آنذاك أن تلك الخطوط التي بدت عصية على الفهم ستصبح يومًا جزءًا من حياتي اليومية، وأنها ستقودني إلى لغة وثقافة وشعب، وإلى رحلة طويلة امتدت لأكثر من عقدين.

كان ذلك في عام 2002، ولم تكن الدراسة قد بدأت بعد في جامعة عين شمس بالقاهرة، دخلت مكتبة قسم اللغة الصينية بدافع الفضول فقط، حيث أردت أن أرى كيف تبدو اللغة التي كنت على وشك دراستها على الورق.

واجهتني صفوف من الخطوط والرموز التي لم أعتد عليها، فحدقت فيها طويلًا وأنا متردد: هل ينبغي لي حقًا أن أختار دراسة اللغة الصينية؟ وفي النهاية، قررت أن أجرب.

لم أكن أتخيل إلى أين سيقودني ذلك القرار، كل ما كنت أعرفه هو أنني أردت تعلم هذه اللغة الغريبة والجميلة.

خلال عامي الأول، اعتدت التحدث بالصينية كلما سنحت لي الفرصة، حتى إنني كنت أتحدث إلى نفسي بالصينية، وأحاول استخدام العربية بأقل قدر ممكن. وشجعني أساتذتي على ذلك، كما نشأت بيني وبين مدرس من الصين صداقة ساعدتني كثيرًا في اكتساب مهارات اللغة.

وعندما أنظر إلى الوراء الآن، أدرك أنني كنت أقع تدريجيًا في حب هذه اللغة، لم أكن أفكر في وظيفة أو مسار مهني، بل كنت ببساطة أريد أن أتحدث الصينية بشكل جيد، وأن أعبر من خلالها عن أفكاري ومشاعري.

ومع مرور الوقت، اكتشفت أن القيمة الحقيقية للغة تتجاوز بكثير مجرد كسب الرزق، فاللغة يمكن أن تغير طريقة تفكيرك، وتفتح أمامك طريقًا إلى ثقافة أخرى، وهذا بالضبط ما فعلته اللغة الصينية معي.

لطالما أحببت الحضارة المصرية القديمة، وبعد تخرجي أصبحت مرشدًا سياحيًا لأنني أردت أن أعرّف الزوار الصينيين بمصر وحضارتها بلغتهم، لكن عملي تحول في الوقت نفسه إلى وسيلة أتعرف من خلالها على الصين.

علمني كل زائر صيني التقيت به شيئًا جديدًا، ومن خلال السياحة والترجمة والحوارات، تعلمت من أشخاص ينتمون إلى أعمار وخلفيات مختلفة، وفي وقت لاحق، زرت الصين أكثر من عشر مرات، وتنقلت بين مدن عدة، من بينها بكين وشانغهاي وأورومتشي، لكن شنتشن بقيت المدينة الأقرب إلى قلبي.

عندما زرت المدينة للمرة الأولى، لفت انتباهي بشدة انفتاحها وسرعة تطورها، وفهمت حينها لماذا يصفها البعض بأنها "مدينة المعجزات".

لكن أكثر ما أثار إعجابي في الصين لم يكن مبانيها أو طرقها أو بنيتها التحتية فحسب، فخلف هذه التحولات التي يمكن رؤيتها بالعين، بدأت، من خلال رحلاتي وحواراتي مع الناس هناك، أهتم أيضًا بكيفية فهمهم للحياة والسعادة والثقافة، وكانت هناك كلمة واحدة ظلت عالقة في ذهني: التناغم.

في أكثر من مناسبة، تأثرت بالدفء الذي وجدته لدى الناس العاديين في تعاملهم مع الزوار الأجانب، كانوا ودودين ومحترمين، ولديهم استعداد للتعرف على الآخرين وفهمهم، وبالنسبة لي، لم يكن ذلك مجرد سلوك فردي، بل انعكاسًا لروح أعمق أرى أنها متجذرة في الثقافة الصينية.

ما زلت أتذكر اصطحابي الزوار الصينيين إلى المطار في نهاية رحلاتهم، وفي بعض الأحيان، كانت الدموع تملأ عيني وأنا أودعهم. وكان أعظم شعور بالإنجاز بالنسبة لي أن أراهم يغادرون مصر وهم يحملون معهم ذكريات جميلة عن بلدي، وأحيانًا وهم يتمنون لو استطاعوا البقاء لفترة أطول.

ولهذا أؤمن بأن المرشدين السياحيين هم سفراء بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ فنحن نمثل بلداننا، لكننا نستطيع أيضًا أن نكون جسورًا بين الشعوب.

وفي وقت لاحق، أتيحت لي فرصة للمساهمة في بناء ذلك الجسر في الاتجاه الآخر.

فبين عامي 2010 و2013، عملت في المركز الثقافي الصيني بالقاهرة، حيث انتقلت من تعريف الزوار الصينيين بمصر إلى تعريف المصريين بالصين، كنت أدرك أن معرفة كثير من المصريين بالثقافة الصينية لا تزال محدودة.

لذلك ساهمت في إنشاء ما أطلقنا عليه اسم "البيت الصيني"، وهي مساحة عرض جمعت عناصر مختلفة من الثقافة الصينية، من بينها الحيوانات الـ12 للأبراج الصينية، ونماذج من العمارة الصينية الشهيرة، وصور للتراث الثقافي في الصين.

لم أتوقع أن يحظى المكان بهذا القدر من الاهتمام، فقد بدأت مدارس في المنطقة المحيطة بالمركز تصطحب طلابها إليه خصيصًا لزيارة "البيت الصيني".

ومع مشاهدة هؤلاء الشباب المصريين وهم يكتشفون ثقافة لم يكونوا يعرفون عنها الكثير، أدركت أن الجسر الذي تخيلته عندما كنت مرشدًا سياحيًا يمكن أن يتخذ شكلًا آخر.

والآن، مر أكثر من عقدين منذ وقفت في تلك المكتبة الجامعية عاجزًا عن فهم حرف صيني واحد، أما اليوم، فقد أصبحت هذه الحروف جزءًا من حياتي اليومية، وأحيانًا تخرج الكلمات الصينية من فمي بصورة طبيعية إلى درجة أنني لا أدرك حتى أنني انتقلت من لغة إلى أخرى.

لقد قادتني تلك الحروف إلى الصين، وإلى صداقات وتجارب إنسانية، وإلى ثقافة أصبحت أحبها، لكنها قادتني أيضًا إلى هدف لم يكن يخطر لي عندما دخلت المكتبة للمرة الأولى: أن أساعد المصريين على فهم الصين، وأن أساعد الصينيين في المقابل على فهم مصر.

ولعل هذه هي أعظم هدية يمكن أن تمنحنا إياها اللغة؛ فهي لا تعلمنا ببساطة كيف نتحدث إلى شخص من بلد آخر، بل تفتح نافذة على عالم آخر، وتساعد في بناء جسر بين الحضارات.

 

ملاحظة المحرر: عباس سيد مرشد سياحي مصري وباحث في الثقافة الصينية وعضو فخري بجمعية الصداقة المصرية-الصينية.

 

الصور