مقالة خاصة: صحفيو غزة.. حين يصبح الصحفي شاهدا وضحية في آن واحد

مقالة خاصة: صحفيو غزة.. حين يصبح الصحفي شاهدا وضحية في آن واحد

2026-09-08 18:41:15|xhnews

غزة 8 سبتمبر 2026 (شينخوا) بالنسبة لنسرين ثابت، وهي صحفية من غزة وأم لطفلين، لم يكن الجمع بين الصحافة والأمومة أمرا سهلا، خصوصا خلال حرب وضعت حياتها وحياة طفليها تحت الخطر بشكل يومي.

في كل مرة تتوجه فيها إلى الميدان لتغطية القصف والدمار ومعاناة الفلسطينيين، كانت تحمل معها خوفا آخر لا يظهر أمام الكاميرا؛ الخوف على طفليها مجد وأحمد، اللذين فقدا والدهما خلال الحرب، وأصبحا يعتمدَان عليها وحدها.

وتقول ثابت (40 عاما) لوكالة أنباء ((شينخوا)) "لا أمتلك رفاهية الاختيار بين دوري كأم وواجبي كصحفية... في أوقات كثيرة، كنت أضطر لاصطحاب طفلي إلى الميدان، وفي أوقات أخرى كنت أتركهما لدى والدتي وأسير مسافات طويلة للوصول إلى عملي، وسط القصف وانعدام وسائل النقل".

وتضيف "كنت أعمل وأنا أحمل هاجسا مضاعفا، الخوف عليهم والخوف على نفسي، لأنني أعرف أنهم لا يملكون في هذه الدنيا أحدا غيري بعد مقتل أبيهما".

وتعمل ثابت حاليا صحفية مع عدد من الوكالات. وتشرح "إن الحرب لم تجعل عملي أكثر خطورة فحسب، بل جعلت حياتي الشخصية جزءا من المأساة التي أوثقها يوميا".

وكان زوجها حيدر المصدر، وهو كاتب وباحث في المجالين السياسي والإعلامي، قد قتل في 22 يوليو 2024 في غارة إسرائيلية استهدفت خيمة للصحفيين داخل مستشفى شهداء الأقصى في وسط قطاع غزة.

ولم تكن خسارتها مقتصرة على زوجها، فقد فقدت أيضا ثلاثة من إخوتها، فيما فقدت شقيقاتها الثلاث أزواجهن، وفق ما قالت، مشيرة إلى أن الحرب دمرت أيضا 13 من منازل عائلتها.

وبينما تحاول ثابت توفير الحد الأدنى من الاستقرار لطفليها، تعيش الأسرة حاليا في خيمة.

وتقول إن النزوح المتكرر جعلها في حالة استعداد دائم؛ فهي تتابع الأخبار ومواقع القصف، وتبقي حاجاتها الأساسية قريبة منها تحسبا لأي أمر بالإخلاء.

ولم يكن قرار مواصلة الصحافة سهلا بعد مقتل زوجها. فقد فكرت ثابت في التوقف عن العمل، خاصة عندما شاهدت زملاء لها يغادرون منازلهم أو يغيرون أرقام هواتفهم أو يبتعدون عن الميدان. لكنها قررت الاستمرار، معتبرة أن الصحافة تمثل بالنسبة إليها "آخر خطوط الدفاع عن الحقيقة".

وعلى غرار ما حدث مع نسرين ثابت، تحولت المهنة بالنسبة للمصور الصحفي عامر السلطان، خلال الحرب إلى طريق طويل قاده بعيدا عن أسرته، قبل أن تنتهي المسافة بينهما بخبر لم يكن يتخيل يوما أنه سيسمعه.

ويعمل السلطان (32 عاما) مصورا صحفيا منذ عام 2014، ويقول إن ما دفعه إلى المهنة كان رغبته في توثيق الأحداث في قطاع غزة لا سيما الأحداث الليلية التي كانت تمر أحيانا من دون تغطية كافية.

ويضيف "منذ بداية عملي، كنت أريد أن تكون هناك صورة وشهادة على ما يجري".

وكحال غالبية الصحفيين في القطاع، خرج السلطان في صباح السابع من أكتوبر 2023، من منزله في جباليا البلد متوجها إلى مدينة غزة لتغطية الأحداث المتصاعدة، من دون أن يعرف أن تلك الرحلة ستكون آخر مرة يغادر فيها منزله، وهو يعلم أن عائلته ما زالت تنتظره هناك.

وكانت آخر مرة اجتمعت فيها العائلة على مائدة واحدة في السادس من أكتوبر خلال وجبة الغداء. وبعد اتساع العمليات العسكرية، نزح السلطان إلى جنوب القطاع، بينما بقي أفراد أسرته في الشمال.

ويستذكر "كنت أنتظر الهدنة وأحسب الساعات والأيام، ليس فقط لأنني كنت أريد أن يتوقف القصف، وإنما لأنني كنت أريد أن أعود إلى الشمال وأرى عائلتي. كنت أعيش على أمل أن ألتقي بهم مرة أخرى".

لكن في 16 يناير 2025، وقبل أن يتمكن من الوصول إلى الشمال، تلقى الخبر الذي أنهى ذلك الانتظار. إذ علم أن 13 من أفراد أسرته قتلوا داخل منزلهم، بينهم والدته وشقيقته وأطفالها وزوجها، وشقيقه وزوجته وأطفاله.

ويشرح "كانت الصدمة كبيرة جدا. طوال الحرب كنت أصور الضحايا وأفكر في عائلتي، وأقول في نفسي: هل يمكن أن يحدث لهم الشيء نفسه؟ ثم جاء اليوم الذي أصبحت فيه عائلتي هي الضحايا".

ورغم الصدمة، عاد إلى العمل في اليوم التالي. ويقول "أخذت على عاتقي ألا أترك الكاميرا والقلم والهاتف".

وخلال عمله، واجه السلطان صعوبات التنقل ونقص الوقود، واليوم، يسير أحيانا نحو كيلومترين للوصول إلى عمله، وسط مخاطر العمل الميداني.

ورغم تلقيه عروضا لمغادرة القطاع، اختار البقاء. ويقول "الصحافة بالنسبة لي ليست مجرد مهنة. هي مسؤولية تجاه الناس الذين يعيشون هذه الحرب، وأنا أريد أن أنقل للعالم حياتهم ومعاناتهم، لا أن يراهم فقط كأرقام".

ويضيف "الصور التي نلتقطها ليست مجرد صور للدمار، بل قصص لأشخاص فقدوا أحباءهم وبيوتهم وحياتهم التي كانوا يعرفونها. هذه القصص يجب أن تصل إلى العالم".

ثابت والسلطان هما من بين أكثر من 1500 صحفي فلسطيني تغيرت حياتهم بالكامل منذ بدء الحرب، بعدما وجدوا أنفسهم لا ينقلون أحداثها فحسب، بل يعيشون تفاصيلها من نزوح وفقدان وخطر يومي، بحسب نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين في غزة تحسين الأسطل.

واندلعت الحرب في السابع من أكتوبر 2023، عندما شنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هجوما على إسرائيل، أعقبه إطلاق إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة.

ومنذ ذلك الحين، تعرض القطاع لقصف وعمليات عسكرية واسعة النطاق رافقها نزوح جماعي وأزمة إنسانية شديدة، فيما أصبح الصحفيون المحليون المصدر الأساسي لكثير من الصور والأخبار من داخل القطاع.

ويقول الأسطل لـ((شينخوا)) "في ظل القيود المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة، وجد الصحفيون الفلسطينيون أنفسهم في الخطوط الأمامية للتغطية، يعملون وسط القصف والنزوح ونقص الوقود والكهرباء والإنترنت، فضلا عن صعوبة التنقل والوصول إلى أماكن الأحداث والمصادر".

ويضيف أن أكثر من 250 صحفيا قتلوا خلال الحرب، فيما أصيب عشرات آخرون، بعضهم أكثر من مرة، كما تعرض عدد من الصحفيين للاعتقال خلال العمليات العسكرية، وأفرج عن بعضهم لاحقا.

ويؤكد أن الصحفيين واجهوا مخاطر متعددة، من بينها الاستهداف أثناء العمل، وتدمير المنازل والمؤسسات الإعلامية، وصعوبة التنقل والوصول إلى مصادر المعلومات، والافتقار إلى الكهرباء والإنترنت والمعدات، بينما تواجه المؤسسات الإعلامية صعوبات في الاستمرار ودفع رواتب العاملين.

وتعرض أكثر من 150 مؤسسة إعلامية محلية وعربية ودولية ومكاتب إنتاج إعلامي للتدمير أو الأضرار، ما أثر على قدرة المؤسسات الصحفية على مواصلة العمل، وفق الأسطل.

ومع ذلك، يواصل الصحفيون المحليون عملهم خلال مراحل الحرب المختلفة، بما في ذلك فترات الهدوء المؤقت. 

الصور