تحليل إخباري: العقوبات الأمريكية على إيران "رهان فاشل" وطهران تستعد لمواجهة طويلة الأمد

تحليل إخباري: العقوبات الأمريكية على إيران "رهان فاشل" وطهران تستعد لمواجهة طويلة الأمد

2026-09-08 20:19:15|xhnews

القاهرة 8 سبتمبر 2026 (شينخوا) تعتبر العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية أخيرا على إيران "رهانا فاشلا"، وفق مراقبين عرب تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا)).

وقال المراقبون إن واشنطن تراهن من خلال هذه العقوبات على تركيع إيران أو دفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية، وهذا لن يحدث، وأكدوا أن قرار طهران إنشاء مقر للحرب الاقتصادية بوزارة الاقتصاد مؤشر على أنها قررت المواجهة الاقتصادية طويلة الأمد والصمود لإفشال المخطط الأمريكي.

ومع ذلك، رأوا أن هذه العقوبات يمكن أن تشكل "عامل ضغط داخليا" في إيران من خلال ارتفاع التضخم وتراجع العملة المحلية، لكن من الخطأ افتراض أن العقوبات ستؤدي تلقائيا إلى تغيير سياسي أو دفع المواطنين للانتفاض ضد السلطة.

والأحد الماضي، أعلنت إيران إنشاء "مقر الحرب الاقتصادية" داخل وزارة الاقتصاد، بهدف إيجاد حلول عاجلة للتحديات والمشكلات الناجمة عن ظروف الحرب.

وقال نائب وزير الاقتصاد الإيراني مرتضى زمانيان إن المقر سيعمل على تسريع معالجة التحديات الاقتصادية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، بما يسهم في الحد من التأخير البيروقراطي، وفق وكالة ((تسنيم)) الإيرانية.

وجاء القرار الإيراني ردا على العقوبات الاقتصادية الأخيرة التي فرضتها واشنطن على طهران. وفي 19 أغسطس الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء "أقسى عملية اقتصادية تفرض على أي دولة حتى الآن"، واصفا إياها بأنها "حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق".

وتستهدف العقوبات الأمريكية صادرات النفط وقنوات الوصول إلى العملات الأجنبية، في محاولة لـ "خنق النظام" الإيراني، وفق وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، وذلك من خلال تقليص عائدات إيران النفطية وقدرتها على الوصول إلى شبكات التمويل الدولية.

واعتبر بيسنت أن الاستراتيجية الأمريكية إزاء إيران "ضربة مزدوجة" تجمع بين الحصار و"أقسى العقوبات في التاريخ"، قبل أن يضيف "ستنجح في إيران وسنسقط هذا النظام"، بحسب شبكة ((سي إن بي سي)).

لكن محمد رضا عارف النائب الأول للرئيس الإيراني أكد أن بلاده لديها خطة لمواجهة الحرب الاقتصادية وأن "العدو سيهزم في هذه الجبهة أيضا"، وفق ((تسنيم)).

 

-- مواجهة طويلة الأمد

وقال الباحث السعودي في مركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية عبد العزيز الشعباني إن إنشاء إيران "مقر الحرب الاقتصادية" يعكس إدراكها أن الضغوط الاقتصادية ليست مجرد عقوبات مؤقتة وإنما جزءا من مواجهة طويلة الأمد، مشيرا إلى أن الجمع بين العقوبات والقيود على صادرات النفط وتداعيات الحرب يجعل من الضروري لإيران توحيد إدارة الملف الاقتصادي ورفع قدرتها على التعامل مع هذه الضغوط.

وأوضح الشعباني أن العقوبات الأمريكية لا تستهدف فقط عائدات النفط بصورة مباشرة وإنما تحاول أيضا تضييق شبكات النقل والوسطاء والقنوات المالية التي تستخدمها إيران للحفاظ على صادراتها والحصول على العملات الأجنبية، وهذا قد يجعل الالتفاف على العقوبات أكثر تكلفة وتعقيدا. ومع ذلك إيران لا تزال قادرة على الاعتماد على شبكات تجارية ووسطاء إقليميين، إضافة إلى ترتيبات مالية خارج النظام المصرفي الغربي لتقليل تأثير العقوبات.

ورأى الدكتور صباح الشيخ أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد أن إيران تسعى من خلال تأسيس مقر قيادة للحرب الاقتصادية لإيجاد حلول سريعة وعملية لأي أزمة تحدثها العقوبات الأمريكية، وهذا مؤشر على أن إيران قررت المواجهة الاقتصادية طويلة الأمد، والوقوف ندا لند بوجه واشنطن وإفشال المخطط الأمريكي والتخفيف من وطأة العقوبات.

وأوضح أن إيران لديها صناعات محلية وإنتاج زراعي وفير وهذه مقومات تساعد الحكومة في الصمود لأطول فترة، قبل أن يضيف "ومع ذلك، الخيارات صعبة أمام إيران لمواجهة الضغوط الأمريكية خاصة إذا استمرت واشنطن بتشديد العقوبات والضغط على الدول المجاورة لإيران للالتزام بالعقوبات".

وشاطره الرأي الدكتور مختار غباشي الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات في مصر بقوله إن إنشاء مقر الحرب الاقتصادية يؤكد أن إيران تستعد لحرب طويلة الأمد مع واشنطن خاصة أن طهران لديها خبرات طويلة في التعامل مع الحصار والعقوبات الاقتصادية، وما تفرضه واشنطن من عقوبات جديدة مهما اشتدت ضراوتها لن يؤثر على إيران، والعقوبات الأمريكية لن تقدم جديدا.

بينما أكد الدكتور علي أحمد أستاذ العلوم السياسية في جامعة أبوظبي أن الاقتصاد أصبح ساحة رئيسية للصراع الإيراني الأمريكي إلا أن طهران تستطيع الالتفاف جزئيا على العقوبات عبر الوسطاء.

لكن المحلل الاقتصادي اليمني نجيب العدوفي رأى أن إيران تستنزف مواردها في الصراعات الخارجية وما تقوم به حاليا ليس سوى حلول ترقيعية للالتفاف على العقوبات.

 

-- ضغط داخلي

ووفق ملاحظات مراسل وكالة أنباء ((شينخوا)) في إيران، تشهد السوق الإيرانية تقلبات في أسعار الدولار الأمريكي والذهب. ففي الثامن من سبتمبر الجاري، بلغ سعر الدولار أكثر من 2.2 مليون ريال إيراني.

ونظرا للانخفاض المستمر في قيمة العملة، ارتفعت توقعات التضخم وألقت الضغوط الاقتصادية بظلالها على حياة الشعب الإيراني.

وقال أحد سكان طهران إن "الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة تؤثر بشكل مباشر على أضعف شرائح المجتمع الإيراني، وهذا النهج غير مبرر على الإطلاق".

ومع ذلك، لم تشهد الأسعار في إيران في الوقت الحالي تغييرات كبيرة، والإمدادات كافية، ولا يعاني الناس من نقص في الاحتياجات الأساسية.

وصرح محسن رضائي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أخيرا بأن حدوث مجاعة واسعة النطاق في إيران نتيجة الحصار الاقتصادي الأمريكي "كذبة كبيرة"، مؤكدا أن الحكومة الإيرانية خزّنت كميات كافية من الغذاء والضروريات الأساسية، وأشار إلى أن إيران ما تزال تصدر النفط وتحصل على العائدات.

لكن عبد العزيز الشعباني رأى أن الضغوط الاقتصادية الأمريكية يمكن أن تتحول بالفعل إلى عامل ضغط داخلي في إيران من خلال ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القوة الشرائية لكن من الخطأ افتراض أن العقوبات ستؤدي تلقائيا إلى تغيير سياسي لأن المجتمع الإيراني لديه خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات.

في حين قال مختار غباشي إن المواجهة الاقتصادية مع الولايات المتحدة بالتأكيد لها انعكاس على المواطن الإيراني لكن الوضع لن يصل في إيران إلى حد الجوع أو أن ينتفض المواطن ضد السلطة، كما تراهن الولايات المتحدة.

وأردف أن العقوبات غير قادرة على إحداث تغير نوعي في قدرة إيران على تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية، وهناك دول لا تزال تستورد جزءا كبيرا من احتياجاتها النفطية من إيران وترفض العقوبات على إيران.

ورأى صباح الشيخ أن واشنطن تستخدم هذا الأسلوب المنافي للإنسانية، أي العقوبات الاقتصادية، للضغط على الطبقات الفقيرة لدفعها للخروج على النظام لكن طبيعة المجتمع الإيراني الذي يتوحد أمام التدخلات الخارجية سوف تفشل هذا المخطط.

 

-- إيران.. بين الصمود والتنازل

ورأى غباشي أن السيناريو الأكثر ترجيحا بالنسبة لإيران هو الصمود، فالتنازل غير موجود في القاموس الإيراني، والعقوبات الأمريكية كما تكبد إيران خسائر فإن استمرار الوضع الحالي يكبد الولايات المتحدة أيضا خسائر جيوسياسية في ظل تعرض قواعدها العسكرية بالمنطقة للضرب، واستهداف الدول التي تستضيف هذه القواعد، وسعي بعض هذه الدول إلى اتفاقيات أمنية بعيدة عن الولايات المتحدة، والرهان الأمريكي على العقوبات الاقتصادية "رهان فاشل بنسبة كبيرة".

وأكد أن الضغط الأمريكي "لن يركع إيران" مهما حدث على الأقل في هذا التوقيت، فإيران أعلنت التحدي، ولم يحدث لدولة أن تحدت الولايات المتحدة بهذا الشكل بعد الحرب العالمية الثانية مثل إيران، التي تجابه واشنطن بشراسة وندية، وكبدتها خسائر أيضا، فالاحتياطي الأمريكي وصل لأدناه وارتفعت أسعار الوقود والتضخم في الولايات المتحدة، وإيران لن تقدم تنازلات بأي حال من الأحوال.

وأضاف أن واشنطن تستجدي بشكل غير مباشر طهران لفتح مضيق هرمز، وإيران لديها القدرة على استمرار المواجهة، وهي متمرسة في ذلك، إيران تتعامل مع الولايات المتحدة بمنطق "خطوة بخطوة" أي أن تقدم واشنطن ما يشير إلى حسن النوايا فتقدم إيران شيئا ما في المقابل.

بينما رجح الشعباني أنه "إذا استمرت العقوبات والحرب خلال الأشهر الستة إلى الاثنى عشر المقبلة، فإن إيران ستدخل مرحلة أزمة اقتصادية أعمق وليس انهيارا اقتصاديا مفاجئا، وهذا سيضيق تدريجيا هامش الخيارات أمام القيادة الإيرانية. وفي هذه الحالة قد تصبح الضغوط الاقتصادية عاملا مؤثرا بصورة أكبر في حسابات إيران".

في حين قال علي أحمد إن الضغوط الاقتصادية قد تشجع طهران على التفاوض لكنها قد تدفعها أيضا إلى مزيد من التشدد إذا اعتبرت التراجع استسلاما للضغط الأمريكي، ورجح استمرار "الصمود تحت الضغط" خاصة أن إيران تملك موارد وشبكات اقتصادية تساعدها على التكيف. 

الصور