رأي ضيف: بريكس... طريق نحو عالم أكثر عدالة وتعددية قطبية

رأي ضيف: بريكس... طريق نحو عالم أكثر عدالة وتعددية قطبية

2026-09-12 12:45:00|xhnews

بقلم: د. ضياء حلمي

يمر العالم اليوم بمرحلة تتزايد فيها التحديات الاقتصادية والسياسية والتجارية، في وقت تتصاعد فيه النزعات الأحادية والحمائية. وفي هذا السياق، أرى أن مجموعة بريكس، وخاصة بعد توسعها إلى "بريكس بلس"، أصبحت منصة مهمة لبناء عالم أكثر عدالة وتعددية قطبية.

لقد أثبتت العقود الماضية أن الهيمنة والأحادية كثيرا ما تغذيان الصراعات والتوترات بدلا من تعزيز الاستقرار والتنمية. وفي ظل هذه الخلفية، يكتسب مفهوم "المستقبل المشترك للبشرية" أهمية خاصة، إذ يؤكد على التعاون والمنفعة المشتركة كأساس لبناء نظام عالمي أكثر عدالة.

وتشكلت بريكس في البداية من البرازيل وروسيا والهند والصين، ثم توسعت بانضمام جنوب إفريقيا، ولاحقا أعضاء جدد من بينهم مصر في أوائل عام 2024. وأسهم هذا التوسع في تعزيز تمثيل دول الجنوب العالمي وزيادة الثقل الاقتصادي والسياسي للمجموعة.

ــ توسع بريكس يعزز صوت الجنوب العالمي

إن توسع بريكس يمنح دول الجنوب العالمي مساحة أكبر للتعبير عن مصالحها، ويفتح أمامها آفاقا جديدة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والصناعي والثقافي. واليوم، تمثل دول المجموعة نحو نصف سكان العالم، أي ما يقارب نصف المستهلكين والأسواق العالمية، وهو ما يمنح بريكس ثقلا اقتصاديا كبيرا.

كما أن التنوع الجغرافي والبشري لدول بريكس، إلى جانب تنوع مواردها الطبيعية، يمثل مصدر قوة وفرصة كبيرة لتحقيق مزيد من التكامل.

وفي الوقت نفسه، فإن بريكس ليست موجهة ضد دولة أو عملة أو طرف بعينه، وإنما تهدف إلى دعم الحقوق المشروعة للدول الأعضاء في التنمية والتقدم والازدهار ضمن إطار أكثر عدلا وتوازنا للتعاون الدولي.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها التجارة العالمية نتيجة الرسوم الجمركية الأحادية والسياسات الحمائية المفرطة. ومن وجهة نظري، فإن فرض رسوم مرتفعة قد يضر ليس فقط بالدولة المستهدفة، بل أيضا بالدولة التي تفرضها، من خلال دفع الأسواق إلى البحث عن بدائل وفرض قيود على حرية التجارة.

وتوفر سياسة الانفتاح الصينية قدرا من اليقين للاقتصاد العالمي. فالصين لا تصدر منتجاتها فحسب، بل تفتح سوقها أيضا أمام منتجات الدول الأخرى. فعلى سبيل المثال، يوفر معرض الصين الدولي للاستيراد في شانغهاي للدول النامية ودول الجنوب العالمي إمكانية الوصول إلى السوق الصينية واستكشاف فرص تجارية جديدة.

ويمكن لبريكس البناء على هذا النهج من خلال توسيع التجارة بين أعضائها وزيادة تبادل التكنولوجيا والمعلومات والخبرات.

ــ مصر والصين وبريكس... شراكة على أرض الواقع

يمثل انضمام مصر إلى بريكس فرصة مهمة لتوسيع التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والصناعية والثقافية والسياسية، وخلق مزيد من الفرص للتجارة ونقل التكنولوجيا والاستثمار مع الدول الأعضاء الأخرى.

وتعد الصين نموذجا رئيسيا لهذا التعاون. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.79 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ووفرت المشروعات الصينية آلاف فرص العمل للشباب المصري.

وهذه الأرقام لا تعكس فقط نموا في العلاقات الاقتصادية، بل تشير أيضا إلى تحول نوعي في طبيعة التعاون، خاصة في مجالات نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة. فالشراكة الإستراتيجية الشاملة بين مصر والصين، مدعومة بالإرادة السياسية لدى قيادتي البلدين، أسهمت في نقل التكنولوجيا والخبرات ودعم جهود مصر لتوطين الصناعة.

كما أن مبادرة الحزام والطريق التي اقترحتها الصين تمثل، في تقديري، واحدة من أهم مبادرات القرن الحادي والعشرين، إذ يمتد نطاقها إلى ما هو أبعد من الاقتصاد ليشمل التجارة والثقافة والسياحة والتواصل الحضاري. وبالمثل، يدعم بنك التنمية الجديد، ومقره شانغهاي، دول بريكس من خلال إطار مالي يقوم على الاحترام المتبادل وسيادة الدول.

وتتاح لمصر فرص إضافية للاستفادة من التعاون مع الصين ودول بريكس الأخرى، خاصة في مجالي التصنيع والتصدير. ويمكن لموقعها الإستراتيجي وقدرتها على الوصول إلى الأسواق الإفريقية والعربية أن يمكناها من أن تصبح قاعدة للإنتاج والتصدير المشترك.

غير أن بريكس ستواجه بلا شك تحديات وضغوطا، خاصة من الأطراف التي ترى في التأثيرات المتزايدة للمجموعة تهديدا لمصالحها. وأعتقد أن المزيد من التعاون بين الدول الأعضاء هو أفضل سبيل لتعزيز قدرة المجموعة على مواجهة هذه الضغوط والتحديات.

والمطلوب هو توسيع حركة التجارة والاستثمار بين دول مجموعة بريكس، وتنظيم معارض ومؤتمرات اقتصادية مشتركة بصورة منتظمة، وتشجيع تبادل الخبراء والمعلومات، وتحويل الأفكار إلى مشروعات تحقق فوائد ملموسة للشعوب.

إن قوة بريكس تكمن في قدرتها على تقديم نموذج للتكامل بدلا من الصراع، وللتعاون بدلا من الهيمنة. وفي عالم يواجه قدرا متزايدا من عدم اليقين، أعتقد أن المزيد من التعاون هو الطريق الأكثر واقعية. ويمكن لمصر والصين، بما تمتلكانه من إرادة ورؤية مشتركة، أن تلعبا دورا مهما في دفع هذا المسار قدما.

 

ملاحظة المحرر: ضياء حلمي هو المؤسس والأمين العام لغرفة التجارة المصرية الصينية بالقاهرة، وعضو لجنة آسيا بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، وعضو جمعية الصداقة المصرية الصينية بالقاهرة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

الصور