تحليل إخباري: سيطرة الحوثيين على باب المندب تفاقم المخاطر أمام الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية
القاهرة 12 سبتمبر 2026 (شينخوا) سيطرت جماعة الحوثي في اليمن الجمعة على مضيق باب المندب والساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، في خطوة تفاقم المخاطر التي تواجه حركة الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية، التي تعاني بالفعل جراء غلق مضيق هرمز، وفق خبراء عرب.
ورأى الخبراء الذين تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا)) أن استيلاء الحوثيين على الجزر المحيطة بباب المندب "ورقة استراتيجية كبيرة" تمنحهم لأول مرة "قدرة تحكم مباشرة" على مضيق باب المندب، الذي يعد المدخل الجنوبي لقناة السويس المصرية.
واعتبروا أن هذا التطور يشكل "تحديا مركبا" للسعودية، خاصة بعد استهداف خط الأنابيب السعودي "شرق-غرب"، فضلا عن مخاطره على الملاحة في قناة السويس، ما "يزيد الصراع وحدة الاستقطاب على طريق الملاحة المهم (باب المندب)"، وقد يؤدي إلى "عسكرة المضيق".
وجاءت هذه المخاوف رغم تأكيد المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع، الجمعة أن "الملاحة البحرية آمنة لجميع الشركات باستثناء السفن السعودية، التي تخضع بالفعل للحصار".
والجمعة، أفاد مصدر يمني مسؤول لـ ((شينخوا)) أن جماعة الحوثي سيطرت على أجزاء واسعة من مديرية "ذوباب"، ومنطقة باب المندب، المطلة مباشرة على المضيق الدولي.
وسيطرت الجماعة أيضا على جزيرة ميون التي تقع في قلب باب المندب على مدخل خليج عدن، وجزيرتي زقر وحنيش، ومديريات المخا وحيس والخوخة على ساحل البحر الأحمر.
وتصاعد التوتر بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية المدعومة من تحالف بقيادة السعودية في عدة محافظات منذ قرابة شهرين، إذ شهد عدد من جبهات القتال عودة للمواجهات بعد هجمات للحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيرة على معسكرات للقوات الحكومية في مأرب وحضرموت والساحل الغربي، وعلى أهداف في المملكة.
وإثر هذه التوترات، أعلن الحوثيون في 20 من يوليو الماضي حظر الملاحة البحرية على السعودية، وهاجموا مرارا سفنا في البحر الأحمر.
-- جبهة موازية لمضيق هرمز
وقال المحلل السياسي اليمني خليل مثنى العمري، إن سيطرة الحوثيين على المخا وميون والجزر المحيطة بباب المندب تمنحهم لأول مرة قدرة تحكم مباشرة على القناة الملاحية الغربية الأعمق والأوسع في المضيق.
وأضاف العمري أن السيطرة الحوثية على باب المندب حولت المضيق إلى "جبهة موازية لهرمز"، بمعنى أن "إيران، عبر وكيلها (الحوثي)، باتت قادرة على الضغط على ملاحة الطاقة من مدخلين استراتيجيين في وقت واحد، وعبر المضيقين اللذين تمر عبرهما 40 % من حجم التجارة العالمية".
بدوره، حذر الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، من خطورة سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، مشيرا إلى أن "إيران وجماعة الحوثي أصبحتا تسيطران على هرمز وباب المندب، وهما أهم منفذين للتجارة العالمية، وهذا يمثل مشكلة للملاحة العالمية".
وأوضح فرج، وهو مدير إدارة الشؤون المعنوية الأسبق بوزارة الدفاع المصرية، أن سيطرة إيران على المضيقين ستؤثر بلا شك على قناة السويس، مؤكدا أن الملاحة في باب المندب وقناة السويس تواجه "مخاطر" بعد هذا التطور.
وأشار إلى أن مصر من أكثر الدول المتضررة مما حدث في باب المندب، وتحاول أن تسيطر على الوضع من خلال المفاوضات.
ولفت إلى أن "الحوثيين لم يعلنوا حتى الآن غلق باب المندب أمام الملاحة، ولو فعلوا ذلك سوف يثيرون العالم ضدهم، هم منعوا السفن السعودية فقط من المرور، لكن حتى الآن الملاحة مستمرة" لبقية الدول.
وأعرب فرج عن خشيته "من نشوب حرب إقليمية جراء هذه الأحداث في المنطقة" في حال بدأت الدول العربية بالرد على الهجمات، مشيرا إلى "أن مدنا سعودية للاستهداف، فضلا عن خط النفط (شرق-غرب)، والسعودية إلى الآن لم ترد، ولا تريد التورط في الحرب".
والجمعة، قال مندوب السعودية لدى الأمم المتحدة السفير عبد العزيز الواصل، خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن، إن "اعتداءات" الحوثيين على المملكة لا تستهدف أمن السعودية فحسب، بل تمثل أيضا تهديدا للملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، داعيا مجلس الأمن الدولي لاتخاذ موقف حازم تجاهها.
ورأى الباحث السعودي في مركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية عبد العزيز الشعباني، أن التطورات الأخيرة في اليمن تمثل "تطورا يتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي، لأننا نتحدث عن أحد أهم الممرات البحرية في العالم".
وقال الشعباني، إن باب المندب نقطة اتصال أساسية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، ومن خلاله تمر حركة تجارية وطاقة مهمة بين آسيا وأوروبا، لذلك فإن امتلاك الحوثيين قدرة أكبر على الوصول إلى الساحل أو تهديد الملاحة فإن هذا يمنحهم ورقة استراتيجية كبيرة، ويزيد من المخاطر التي تواجه السفن التجارية.
وأوضح أن السعودية تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها مسألة تتعلق بأمنها الوطني وأمن الطاقة، وليس فقط باعتبارها تطورا جديدا في الحرب اليمنية، والبحر الأحمر يمثل أهمية استراتيجية للمملكة خصوصا في ظل الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز.
وتابع أن استهداف خط أنابيب النفط السعودي الذي ينقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر، بالتزامن مع تهديد الملاحة في باب المندب، يخلق تحديا مركبا للسعودية: ليس فقط تهديداً للسفن، وإنما تهديداً لأحد المسارات التي يمكن أن تستخدمها المملكة لتقليل تعرض صادراتها لمخاطر إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز.
وأعلنت السعودية الجمعة أنها أوقفت خط أنابيب "شرق-غرب" احترازيا إثر تعرضه الخميس للاستهداف بطائرات مسيرات "قادمة من العراق".
وأردف الشعباني قائلا "أعتقد أن الرياض ستتعامل مع هذه التطورات من خلال أكثر من مسار في الوقت نفسه. الأول هو حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية وممراتها البحرية، والثاني تعزيز التعاون مع الدول المطلة على البحر الأحمر والدول الشريكة، والثالث استخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية لمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة".
واستدرك "لكن إذا استمرت الهجمات الحوثية واتسعت لتصبح تهديداً مستمراً للأراضي السعودية أو لمنشآت الطاقة والملاحة، فإن طبيعة الموقف ستتغير".
وأشار في هذا السياق إلى اتفاقية مكة الدفاعية، قائلا "هنا تبرز اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان كعامل جديد في الحسابات الأمنية الإقليمية ... وفعلاً صدرت الأيام الماضية تصريحات باكستانية تؤكد أن الاتفاقية يمكن أن تصبح عملية إذا امتد الصراع إلى الأراضي السعودية، والحديث عن تفعيل الاتفاقية يتزايد باستمرار".
ووقعت السعودية وتركيا وباكستان في السابع من أغسطس الماضي في مدينة مكة اتفاقية للدفاع المشترك، تنص على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع".
وتهدف الاتفاقية إلى "تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء"، كما تُعنى بـ"تطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي" بين الدول الثلاث، بحسب بيان مشترك.
-- تداعيات مباشرة
ورأى الشعباني أن استمرار التهديد في باب المندب سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وقد يدفع شركات النقل إلى اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح.
وأضاف أن "هذا ينعكس مباشرة على قناة السويس، لأن أمن القناة لا ينفصل عن أمن الطريق المؤدي إليها من الجنوب. وإذا أصبحت السفن غير قادرة على المرور بأمان عبر باب المندب والبحر الأحمر، فإن جزءاً من التجارة التي تعتمد على قناة السويس سيتجه إلى طرق بديلة، ما يعني وقتًا أطول وتكاليف أعلى وضغطا إضافيا على التجارة العالمية".
أما بالنسبة للصراع في اليمن، أشار الشعباني إلى أن التطورات الأخيرة قد تجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة.
وأوضح أن السيطرة على مناطق ساحلية وممرات استراتيجية تمنح الحوثيين أوراقا تفاوضية وأمنية إضافية، وقد تجعل البحر الأحمر وباب المندب جزءا دائما من معادلة الصراع، لذلك فإن معالجة الأزمة اليمنية لم تعد مرتبطة فقط بتقاسم النفوذ داخل اليمن، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بأمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.
بدوره، قال المحلل السياسي اليمني حمزة الكمالي، إن سيطرة الحوثيين على باب المندب "ستزيد الصراع وحدة الاستقطاب على طريق الملاحة الهام، وتفاقم أزمة النقل البحري وسلاسل الإمداد الحاصلة بسبب مضيق هرمز في الأصل".
واستدرك الكمالي "لكن في تصوري أن أخطر ما يحدث هو عسكرة المضيق واستدعاء قوى دولية مختلفة للمواجهة في البحر الأحمر".
-- الأواني المستطرقة
ورجح العمري، وجود "صلة مباشرة" بين تصاعد التوتر في اليمن والحرب على إيران، وقال إن "باب المندب استخدم كورقة ضغط/ انتقام بالوكالة لحماية الجبهة الداخلية الإيرانية"، وسبقها اعلان الحوثيين "الحصار البحري" على السعودية.
وشاطره الرأي الكمالي بقوله إن "التصعيد الداخلي في اليمن هو تحرك إيراني لتشديد الخناق على اقتصاد النفط بالدرجة الأولى والتجارة الدولية ككل، وتأكيد على رغبة إيران في حصار دول الخليج".
وذهب إلى الرأي ذاته سمير فرج بتأكيده أن تصاعد التوتر في اليمن حاليا له صلة مباشرة بإيران، قبل أن يضيف "نحن نعيش في عصر الأواني المستطرقة، فإذا حدثت أزمة في مكان ما، فإنها تثير أزمة في مكان آخر، وإيران تعرضت لحصار اقتصادي وبالتالي لابد أن ترد".
ورأى الشعباني أن الحرب على إيران لها بالتأكيد تأثير مباشر على المشهد اليمني، لأن الحوثيين جزء من شبكة التحالفات الإقليمية المرتبطة بإيران، وأي مواجهة واسعة مع طهران ستؤثر في حساباتهم العسكرية والسياسية.
وأوضح أن الخطر الأكبر هو أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى تحويل اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة، وهذا سيكون له ثمن ليس فقط على اليمنيين وإنما أيضا على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية ودول المنطقة.







