رأي ضيف: كيف تحول الصين الطبيعة الصامتة إلى طاقة حاسوبية تصنع الاقتصاد الرقمي

رأي ضيف: كيف تحول الصين الطبيعة الصامتة إلى طاقة حاسوبية تصنع الاقتصاد الرقمي

2026-09-16 12:02:15|xhnews

بقلم محمد مازن

طالما كانت تطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من تفاصيل حياتي اليومية في بكين؛ أستخدمها بضغطة زر، دون تفكير مطول فيما وراء الشاشة. لكن سؤالا ظل يؤرقني: أين تعالج هذه الكميات الهائلة من البيانات؟ ومن أين تستمد الطاقة اللازمة لتشغيل هذه العقول الرقمية بهذه السرعة الفائقة؟

لم تجد هذه الأسئلة إجاباتها النظرية إلا عندما زرت أحد أهم معاقل مراكز البيانات والحوسبة الضخمة في الصين، ضمن رحلة "استشعار السعادة في الصين - خبي"، التي نظمها مكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني، بمشاركة أكثر من 30 إعلاميا دوليا ومحليا.

-- من نافذة القطار السريع

بدأت الرحلة من محطة تشينغخه بالعاصمة بكين، حيث اتجه بنا القطار السريع شمالا ناحية الغرب نحو محافظة هوايلاي التابعة لمدينة تشانغجياكو بمقاطعة خبي.

ومع الابتعاد عن العاصمة، بدأت المشاهد الطبيعية تتغير عبر النافذة؛ حيث امتدت توربينات الرياح والألواح الشمسية لتغطي الجبال والسهول. لم أكن أعلم حينها أن هذه التوربينات الممتدة على مد البصر هي اللبنة الأولى للإجابة عن أسئلتي. فمحافظة هوايلاي، التي عرفت تاريخيا بطابعها الزراعي، تحولت اليوم إلى حجر زاوية في جغرافية الحوسبة والذكاء الاصطناعي الصينية.

--هويين.. الطاقة المتجددة حين تتحول إلى حوسبة

كانت محطتنا الأولى في مشروع هويين للبيانات. توقعت ضجيجا وصخبا يليقان بحجم المنشآت الضخمة، لكنني فوجئت بهدوء تام يلف المكان.

في قاعة العرض الرئيسية، أظهرت الشاشات الرقمية منحنيات متداخلة لإنتاج الكهرباء من الرياح والشمس، مقترنة ببيانات أحمال الخوادم في الوقت الفعلي. هنا تجلت الفكرة الأساسية: الطاقة النظيفة لا تستهلك فقط كهرباء تقليدية، بل تترجم مباشرة إلى "قدرة حوسبية" تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي.

ويمتد هذا المشروع الضخم على مساحة تصل إلى نحو ألف مو (حوالي 66.7 هكتار) بقدرة طاقة إجمالية تبلغ 1000 ميجاوات، غير أن المغزى الحقيقي لا يكمن في ضخامة الأرقام، بل في المنظومة المتكاملة التي تجمع بين توليد الطاقة المتجددة، والشبكة الكهربائية، ومعالجة البيانات وتخزينها.

وتستغل محافظة هوايلاي قربها الجغرافي من بكين ومواردها المناخية لتحويل الطاقة النظيفة إلى قدرة رقمية تخدم التنمية في محور بكين-تيانجين-خبي العملاق.

وما يثير الإعجاب هو البعد البيئي للمشروع؛ حيث تستخدم تقنيات التبريد السائل والتبخيري لتحقيق الكفاءة، بينما تستغل الحرارة المنبعثة من الخوادم لإعادة تدفئة المباني والمدارس المجاورة.

حتى عمليات الصيانة والبناء تعتمد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي، مما يعكس تحول البيانات من مفهوم افتراضي إلى صناعة ثقيلة تتطلب الأرض والمياه والطاقة والكوادر البشرية.

-- تشينهواي.. عندما تصبح الحوسبة صناعة قائمة بذاتها

إذا كان مركز هويين قد كشف لي عن المعادلة بين الطاقة والحوسبة، فإن زيارة مركز تشينهواي أظهرت لي البعد الاقتصادي الشامل لهذه الصناعة.

فقد دخلت المجموعة إلى هوايلاي عام 2017، مستفيدة من مناخ المنطقة البارد، حيث يبلغ متوسط الحرارة السنوي حوالي 9.1 درجة مئوية، مما يوفر ظروفا طبيعية تساعد على خفض استهلاك الطاقة اللازمة للتبريد.

وتدير المجموعة اليوم قواعد حاسوبية مترابطة بقدرات تشغيلية وتطويرية تتجاوز 500 ميجاوات، ومعدلات إشغال تتعدى 90%.

وتستخدم المنشأة أحدث تقنيات التبريد بالغمر والصفائح الباردة، مما مكنها من تحقيق معدل كفاءة في استخدام الطاقة متميز يصل إلى 1.21.

في قاعات تشينهواي، تدرك أن كل ضغطة زر على تطبيق مثل "تيك توك" التابع لشركة ((بايت دانس))، أحد أبرز عملاء المركز، أو كل عملية معالجة سحابية معقدة لشركات مثل ((تينسنت)) و((ميتوان)) و((مايكروسوفت))، تعتمد على هذه البنية التحتية.

فالبيانات تعالج هنا في أجزاء بالغة الصغر من الثانية عبر شبكات ألياف ضوئية فائقة السرعة، وبإدارة ذكية تتنبأ بالأعطال قبل حدوثها.

لم تعد مراكز البيانات مجرد مخازن للخوادم، بل غدت نقطة التقاء استراتيجية بين قطاعات التكنولوجيا والاتصالات والطاقة، محولة الميزات الطبيعية للمنطقة، كبرودة الجو والرياح، إلى أصول اقتصادية ذات قيمة عالية.

-- من الرياح إلى الذكاء الاصطناعي: دورة الحياة الرقمية

بعد إتمام الجولة، أصبحت الصورة في ذهني أكثر سهولة وتعمقت في الوقت نفسه. فالرياح والشمس تنتجان طاقة نظيفة، والكهرباء تنقل وتحول داخل المراكز لتشغيل الخوادم، ثم تتولى الخوادم وشبكات الألياف معالجة البيانات وتوفير القدرة الحوسبية، لتكون النتيجة في النهاية تطبيقات ذكية وخدمات سحابية وقرارات أكثر دقة بين يدي المستخدم النهائي.

في النهاية، لم تعد هوايلاي مجرد محافظة ريفية هادئة بالقرب من العاصمة، بل أصبحت نموذجا حيا لكيفية خلق ثروة اقتصادية جديدة من مورد غير مرئي: البيانات.

عند عودتي إلى بكين، لم أعد أنظر إلى شاشة هاتفي المحمول بالطريقة ذاتها؛ فخلف كل خدمة سريعة أتلقاها في ثوان، تقف دورة كاملة تبدأ من حركة الرياح فوق جبال خبي، وتنتهي بتيسير حياة الإنسان والاقتصاد.

التكنولوجيا في الصين ليست مجرد أجهزة صامتة، بل هي بيئة متكاملة تتحول يوما بعد يوم إلى اقتصاد، وإلى أسلوب حياة.

ملاحظة المحرر: محمد مازن هو صحفي مصري مخضرم مقيم في الصين. الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

الصور