(وسائط متعددة) مقالة خاصة: في غزة .. "باص الأحلام" يحول سيارة إسعاف متضررة إلى مساحة للدعم النفسي للأطفال

(وسائط متعددة) مقالة خاصة: في غزة .. "باص الأحلام" يحول سيارة إسعاف متضررة إلى مساحة للدعم النفسي للأطفال

2026-09-16 04:37:15|xhnews
أطفال فلسطينيون نازحون داخليا جالسون على الأرض يشاهدون فيلما في سينما صيفية، بالقرب من أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، يوم 10 سبتمبر 2026. (شينخوا)

غزة 15 سبتمبر 2026 (شينخوا) ما إن تصل مركبة إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى مخيم النخيل في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، حتى ينشغل عدد من الشبان بتجهيز مساحة صغيرة تحت شادر لتتحول إلى قاعة سينما مؤقتة وسط مخيم النازحين، ويرصّون الكراسي في صفوف أمام شاشة عرض يثبتونها على أحد أبواب المركبة، بينما يبدأ الأطفال بالتجمع حول المكان؛ يراقبون التجهيزات بفضول، وينتظرون بدء العرض.

وتحمل هذه المبادرة اسم "باص الأحلام"، وهي سينما متنقلة ومساحة للترفيه والدعم النفسي والاجتماعي باستخدام سيارة إسعاف متضررة وخارجة عن الخدمة، جرى تحويلها بهدف الوصول إلى الأطفال في أماكن نزوحهم، حيث تفتقر المخيمات إلى المساحات المخصصة للعب والأنشطة، فتقدم لهم الأفلام الكرتونية والرسم والتلوين والحكايات والألعاب والأنشطة الترفيهية، في محاولة لمنحهم فسحة قصيرة من أجواء النزوح والخوف المحيطة بهم.

وتبدو على وجوه كثير منهم ملامح البؤس والإرهاق، لكن سرعان ما تتغير مع بدء عرض الأفلام الكرتونية، فيما ينشغل آخرون بالرسم والتلوين والألعاب والأنشطة الترفيهية.

وتقول نفين عبد الهادي، مديرة دائرة الصحة النفسية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن فكرة المبادرة جاءت استجابة للظروف النفسية الصعبة التي يعيشها الأطفال منذ اندلاع الحرب.

وتضيف أن الهدف هو تخفيف الألم النفسي الذي يعاني منه الأطفال نتيجة ما عاشوه خلال سنوات الحرب من قصف ونزوح وفقدان لأفراد من عائلاتهم، إلى جانب حرمانهم من التعليم واللعب والحياة الطبيعية.

وتقول "اليوم أتى باص الأحلام إلى أحد مخيمات وسط القطاع وقمنا بتلبية الدعوة للمخيمات المتواجدة، وأتينا لنخفف عن الأطفال الألم النفسي الذي يعانون منه".

وتعود فكرة المشروع إلى نقل الأنشطة الترفيهية والدعم النفسي إلى الأطفال في أماكن وجودهم، بدلا من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز التي تقدم هذه الخدمات.

ويقول غالب أبو خاطر، منسق فريق "باص الأحلام" في إدارة الصحة النفسية والاجتماعية بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إن الفكرة تهدف إلى توفير مساحة متنقلة تجمع بين الترفيه والدعم النفسي والثقافي والاجتماعي.

ويضيف لـ((شينخوا)) أن الفريق أراد تغيير الصورة التي ارتبطت في أذهان الأطفال بسيارات الإسعاف، والتي أصبحت مرتبطة بالإصابات والقصف والخوف، وتحويلها إلى مكان يرتبط باللعب والفرح.

أطفال فلسطينيون نازحون داخليا جالسون على الأرض يشاهدون فيلما في سينما صيفية، بالقرب من أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، يوم 10 سبتمبر 2026. (شينخوا)

ويقول أبو خاطر إن المركبة أصبحت "تقدم إسعافا من نوع آخر"، من خلال الأنشطة النفسية والترفيهية والثقافية والإبداعية.

وتتوزع أنشطة "باص الأحلام" بين مشاهدة الأفلام الكرتونية والرسم والتلوين والحكايات والألعاب والمسابقات والأنشطة الحركية، بحيث يجد كل طفل مساحة تناسب اهتمامه وقدرته على التفاعل.

ويقول أبو خاطر إن الأفلام المختارة تكون مناسبة لأعمار الأطفال وتحمل مضامين ترفيهية وتربوية، بينما يتيح الرسم والتلوين للأطفال التعبير عن مشاعرهم، خاصة أن بعضهم قد يجد صعوبة في الحديث عما مر به.

ويوضح أن الألعاب والأنشطة الحركية تساعد على تفريغ التوتر والطاقة السلبية، بينما توفر الحكايات مساحة للتفاعل والاستماع والمشاركة.

ويتابع أن الفريق يتلقى طلبات من مخيمات مختلفة لاستقبال الباص، لكن صعوبة التنقل والظروف الأمنية ونقص الوقود والمواد اللازمة لتنفيذ الأنشطة تشكل تحديات أمام توسيع نطاق العمل.

وبعد انتهاء الفعالية، يعيد الفريق جمع المعدات والكراسي، ثم ينتقل بالباص إلى مخيم آخر، في جولة تشمل مناطق مختلفة من قطاع غزة من الشمال إلى الجنوب، وفقا للتنسيق مع المخيمات والمؤسسات المحلية.

وفي مخيم النخيل، جلست الطفلة سجى حماد (12 عاما)، النازحة من جباليا، بين الأطفال أمام شاشة العرض.

وتقول سجى، التي فقدت أكثر من 45 فردا من عائلتها خلال الحرب، لـ((شينخوا)) إن سنوات الحرب حرمتها وأطفالا آخرين من كثير من الأنشطة التي كانوا يمارسونها قبلها.

وتضيف "كانت صعبة للغاية، لم نكن نرسم، كنا نخاف ونختبئ، ولم نكن نلعب أبدا، ولكن الآن أصبحنا نلعب ونخرج ويأتينا باص الأحلام ونشاهد على التلفاز ونرسم ونلون، وهكذا نكون استمتعنا للغاية".

وعلى مقربة منها، شاركت هبة أبو سيدو، النازحة من حي الشجاعية، في الأنشطة التي نظمها الفريق، وتقول لـ((شينخوا)) إن الباص جعل الأطفال ينسون الحرب لبعض الوقت.

وتضيف "اليوم أتى إلينا باص الأحلام، جعلنا نلعب ونشاهد التلفاز وروى لنا القصص، وجعلنا ننسى الحرب قليلا. واستمتعنا معه للغاية".

ويعيش أطفال غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 ظروفا إنسانية ونفسية قاسية، بعد أن اضطر كثير منهم إلى النزوح مرات عدة، وفقد بعضهم أفرادا من عائلاتهم أو منازلهم، فيما تعرضت المدارس والمرافق التعليمية والترفيهية لأضرار واسعة.

وفي مخيمات النزوح، يقيم الأطفال في خيام تفتقر إلى المساحات المناسبة للعب، وسط نقص في الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إلى التعليم والأنشطة الاجتماعية، الأمر الذي يزيد من الضغوط النفسية التي يواجهونها.

أطفال فلسطينيون نازحون داخليا جالسون على الأرض يشاهدون فيلما في سينما صيفية، بالقرب من أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، يوم 10 سبتمبر 2026. (شينخوا)

وترى الأخصائية النفسية سماح القصاص أن الأنشطة الترفيهية الجماعية يمكن أن تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم والتخفيف من حدة التوتر والخوف.

وقالت القصاص لـ((شينخوا)) إن الطفل قد لا يستطيع التعبير بالكلمات عن تجربة مؤلمة عاشها، لكنه يستطيع التعبير عنها من خلال الرسم أو اللعب أو التفاعل مع أطفال آخرين.

وتضيف أن توفير مساحة آمنة للعب "يساعد الطفل على استعادة جزء من شعوره بالأمان، ويمنحه فرصة مؤقتة للابتعاد عن مصادر الخوف والضغط المحيطة به".

وتؤكد أن مثل هذه الفعاليات لا تغني عن العلاج النفسي المتخصص، لكنها يمكن أن تشكل جزءا مهما من برامج الدعم النفسي والاجتماعي، خصوصا للأطفال الذين تعرضوا لفقدان أفراد من عائلاتهم أو النزوح المتكرر أو مشاهد العنف.

وفي ظل هذه الظروف، يصف مدير مستشفى الطب النفسي في غزة عبد الله الجمل الوضع النفسي في القطاع بأنه "كارثي".

ويقول الجمل لـ((شينخوا)) إن المستشفى النفسي الوحيد في القطاع دمر خلال الحرب، ما جعل خدمات العلاج النفسي محدودة للغاية.

ويضيف أن الغالبية العظمى من السكان يعانون من اضطرابات نفسية تتراوح بين المتوسطة والشديدة نتيجة الخوف المستمر وفقدان الشعور بالأمان، مشيرا إلى أن أكثر الحالات المسجلة تتعلق باضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب سلوكيات مؤذية للذات لدى بعض المرضى.

وتشير بيانات برنامج غزة للصحة النفسية، الواردة في تقرير أصدره في أكتوبر 2025 بعنوان "أزمة الصحة النفسية: عامان من العيش في ظل الإبادة الجماعية"، إلى أن 67.8 بالمائة من سكان قطاع غزة يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.

ويوضح التقرير أن 96 بالمائة من الأطفال يشعرون بأن الموت وشيك، بينما يواجه 92 بالمائة منهم صعوبة في التكيف مع واقعهم الجديد، وتظهر على 87 بالمائة علامات الخوف والكوابيس المستمرة.

كما يشير التقرير إلى أن أربعة من كل خمسة أطفال يتجنبون الحديث عن تجاربهم المؤلمة، فيما لوحظت سلوكيات عدوانية لدى نحو 73 بالمائة منهم، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرا على تدهور منظومة الأمان النفسي لدى الأطفال.

الصور