رأي ضيف: الصين والجنوب العالمي.. نحو بناء تعددية قطبية حقيقية
بقلم هاني الجمل
لا يزال النظام الدولي محكوما بهياكل يهيمن عليها الغرب، بينما تفتقر دول الجنوب العالمي إلى تمثيل عادل في صنع القرار الدولي، فيما تسعى الصين مدعومة بدول الجنوب العالمي، من خلال منظمة شانغهاي للتعاون وتجمع بريكس، إلى توحيد مواقف دول الجنوب في قضايا مثل سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وديموقراطية العلاقات الدولية وحرية الملاحة، والتنسيق مع دول الجنوب في المحافل الدولية والإقليمية لتعزيز صوت الجنوب في قضايا المناخ والأمن الغذائي والطاقة والاقتصاد الرقمي.
-- أزمة النظام الدولي القائم وتداعياتها
لا يزال النظام الدولي المعاصر محكوما بهياكل تأسست في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين كانت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تمتلكان الوزن الأكبر في الاقتصاد والسياسة الدوليين. ورغم التحولات العميقة التي شهدها العالم، ما زالت الدول الغربية تتمتع بتأثير استثنائي داخل مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وشبكات التمويل والتجارة والتكنولوجيا، ولا تزال تتمسك بهذا النفوذ متجاهلة التغيرات الدولية الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة.
وتتمثل المشكلة الأساسية في أن الوزن الاقتصادي والديموغرافي لدول الجنوب لم يتحول بالقدر نفسه إلى نفوذ سياسي ومؤسسي، فالدول النامية أصبحت تمثل الجزء الأكبر من سكان العالم وتضم قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل، فضلا عن دول مؤثرة في الطاقة والغذاء والممرات التجارية، لكنها لا تزال تواجه فجوة بين حجمها الحقيقي وبين قدرتها على المشاركة في وضع قواعد النظام الدولي.
-- صعود الجنوب وإعادة تشكيل النظام الدولي
هناك أساس قوي للاتفاق بأن صعود الجنوب العالمي يعيد تشكيل المشهد الدولي وأن بلدانه تستحق تمثيلا أكبر في الشؤون الدولية. فالبيانات والتحليلات الأخيرة تظهر تحول الجنوب إلى لاعب فاعل يطالب بإصلاح الحوكمة العالمية، لكن هذا التحول ليس انقلابا على النظام القائم بل عملية تدريجية ومعقدة تتسم بزيادة التأثير مع استمرار هيكلة المؤسسات الغربية.
مطالب الجنوب العالمي لم تعد تقتصر على المساعدات بل امتدت إلى الحصص والتمثيل وكتابة المعايير. فمن مراجعة حصص صندوق النقد إلى منظمات التعاون في الذكاء الاصطناعي وغيرها، يقود صعود الجنوب نحو تعددية قطبية حقيقية تُضعف الهيمنة الغربية الطويلة، وإن كانت لا تلغيها بالكامل.
إن ظهور كتل مثل مجموعة بريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون يخلق مساحات إستراتيجية بديلة ويقلل قدرة الغرب على فرض أجندة أحادية في التجارة والأمن والطاقة. فهناك دول كثيرة في الجنوب تتبنى تعددية ما يزيد مرونتها التفاوضية ويُصعب احتواءها، كما يطالب الجنوب بحصص أكبر في صندوق النقد والبنك الدولي.
لذا لم تعد الصين ودول الجنوب تكتفي بالمطالبة بتمثيل أكبر للدول النامية في المؤسسات الدولية وإنما تعمل على بناء شبكات سياسية واقتصادية ومالية تمنح هذه الدول قدرة أكبر على التفاوض وتقلل اعتمادها على المؤسسات والآليات التي يهيمن عليها الغرب.
-- بريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون كمنصات للجنوب
بدأت بريكس باعتبارها تجمعا للقوى الاقتصادية الصاعدة لكنها تحولت تدريجيا إلى إطار أوسع للتنسيق السياسي والمالي، وتكمن أهميتها في أنها تجمع دولا ذات ثقل اقتصادي وديموغرافي وجغرافي كبير وتمنح أعضائها منصة لتنسيق المواقف بشأن إصلاح النظام المالي العالمي والتجارة والطاقة والأمن الغذائي والتمثيل الدولي.
كما أن توسع المجموعة يفتح الباب أمام مشاركة دول عربية وأفريقية وآسيوية مؤثرة، بما في ذلك مصر ودول أخرى من الشرق الأوسط وأفريقيا، وهذا التوسع يعكس رغبة مشتركة في توسيع هامش الاستقلال الإستراتيجي.
والغاية من منظمة شانغهاي للتعاون هو تقديم نموذج للتعاون يقوم على تنسيق أمني وسياسي واقتصادي بين دول ذات أنظمة ومصالح مختلفة وهذه المرونة تزيد جاذبية المنظمة للدول في ظل قناعة بأنه لا يمكن إنهاء القطبية الأحادية سياسيا من دون معالجة جذورها الاقتصادية والمالية، ولذلك تركز دول الجنوب على بناء شراكات اقتصادية وتنموية ومالية قوية.
ملاحظة المحرر: هاني الجمل نائب رئيس مركز تفكير للدراسات الإستراتيجية والبحوث في القاهرة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).







