رأي ضيف: ماذا رأيت في معبد لونغشينغ؟

رأي ضيف: ماذا رأيت في معبد لونغشينغ؟

2026-09-18 13:02:30|xhnews

بقلم: محمد مازن

قبل أن أصل إلى معبد لونغشينغ أو "بوذا الكبير" في محافظة تشنغدينغ بمقاطعة خبي، تخيلت أن أول ما سيشدني هو مبنى عتيق أو تمثال نجا من قرون طويلة. لكن المشهد الأول كان أبسط من ذلك وأكثر دلالة: شجرة قديمة، بجذع ضخم تحيط به دعامات معدنية، يتوقف عندها الزوار لالتقاط الصور قبل أن يواصلوا طريقهم بين الأفنية.

بالنسبة لي، قدم المكان وحده لا يكفي لصناعة الدهشة، إنما أن تبقى بعد قرون طويلة روحه حاضرة ، ويحمل وجها معاصرا، فكان لابد من التوقف.

دخلت المعبد مع أكثر من 30 صحفيا وإعلاميا وصانع محتوى صينيا وأجنبيا يشاركون في رحلة "استشعار السعادة في الصين" لمشاهدة سحر الأثر العريق والتعرف على جهود الترميم وحماية الآثار التي تقوم بها الإدارة المحلية في مقاطعة خبي.

خلف الجدران الحمراء والأسقف الخضراء، تمتد مساحة تبلغ نحو 82500 متر مربع، تحمل طبقات من تاريخ الصين منذ تأسيس المعبد عام 586 في عهد أسرة سوي، مرورا بأسر سونغ ويوان ومينغ وتشينغ.

منذ خطواتي الأولى، بدا واضحا أن الحفاظ على التراث هنا لا يعني عزله عن الحياة. حتى الشجرة القديمة كانت جزءا من الصورة الكبيرة لجهود الحفاظ والترميم، كانت أغصانها ملتوية بفعل السنين، وجذعها مدعوما بإطارات وقضبان معدنية، بينما يقترب منها الزوار ويلتقطون صورهم.

كان المشهد يقول من البداية وببساطة إن حماية الآثار تبدأ من تفاصيل صغيرة.

ثم بدأت عبقرية العمارة تتحدث.

في قاعة ماني، التي شيدت عام 1052 خلال أسرة سونغ، بدا المبنى نفسه وكأنه عمل فني ضخم. تصميمها المتقاطع وأسقفها الخشبية المتداخلة جعلاها نموذجا نادرا في العمارة القديمة.

خلف القاعة، توقفت أمام تمثال لغوانيين (بوذيستافا) وهي تجلس بالمعكوس، بملامح هادئة وتفاصيل دقيقة. تسمرت أمامها للحظات، قبل أن يتبارى الزملاء في البحث عن زوايا مختلفة لالتقاط الصورة. ابتسمت في داخلي، حتى في عصر التصوير الرقمي، ما زلنا نبحث عن الزاوية الصحيحة أمام قطعة فريدة صنعها إنسان قبل قرون.

من قاعة إلى قاعة، يتغير المشهد. منحوتات وتماثيل وألوان أكثر كثافة، وتفاصيل أكثر قربا. كلما اقتربت العين من الجدران، تكتشف طبقة جديدة من الفن: زخارف نباتية وحيوانات وأشكال بوذية، ومنحوتات تبدو للوهلة الأولى وكأنها تتحرك داخل الجدار.

وفي جناح المكتبة الدوارة "تشوانلونتسانغ"، ظهر جانب آخر من عبقرية الماضي. هيكل خشبي ثماني الأضلاع، كان يستخدم لحفظ النصوص البوذية، يعد أقدم وأكبر نموذج باق من خزائن الكتب الدوارة الخشبية. لم تكن الأعمدة الحمراء الضخمة والألواح الخشبية المتشابكة مجرد مهارة فائقة في فن النجارة والهندسة المعمارية فحسب، بل تقنية صممت لخدمة المعرفة وحفظها.

ويضم معبد لونغشينغ ستة من أبرز الكنوز الأثرية، فبالإضافة إلى قاعة ماني والمكتبة الدوارة، يوجد أيضا التمثال البرونزي لبوذا ذي الألف يد وألف عين، الذي يبلغ ارتفاعه 21.3 مترا، ونصب لوحة لونغتسانغ، وهو مرجع لا يقدر بثمن يوضح تطور الخط الصيني، وقاعة تضم 1072 تمثالا صغيرا لبوذا.

هنا تحول السؤال من "كيف بقي هذا حيا؟" إلى "كيف بقي؟. فالتحدي في التراث ليس أن يكون قديما ونادرا فقط، وإنما أن يظل قادرا على مقاومة الزمن من دون أن يفقد أصالته.

في لونغشينغ، شرحت لنا المرشدة أن أعمال الحماية التي تقوم بها إدارة حماية الآثار في تشنغدينغ، تلتزم بمبادئ تبدو بسيطة في كلماتها، لكنها شديدة التعقيد في تطبيقها-- «الحماية أولا، وترميم القديم كما هو، والحد الأدنى من التدخل».

وقد ظهر حجم التحدي في جناح الرحمة العظمى «دابي»، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 35.5 مترا، ويضم تمثال بوذا البرونزي ذي الألف يد والألف عين، بارتفاع 21.3 مترا. وقد قام فريق الترميم بمعالجة الهبوط الجزئي للهيكل باستخدام تقنية رفع الهيكل الخشبي بالكامل، إلى جانب مكافحة تلف الأخشاب والحشرات ومعالجة مشكلات الجداريات.

لكن حماية هذا الماضي لا تعتمد على أدوات الماضي وحدها، إذ استخدمت التكنولوجيا لمساعدة الإنسان على رؤية التراث وفهمه وحمايته.

وأشار المسؤولون هنا إلى استخدام تقنيات المسح بالليزر ثلاثي الأبعاد، والتوثيق الرقمي، والمراقبة الذكية لمتابعة حالة المباني وتسجيل تفاصيلها بدقة.

وبالعموم في أعمال الترميم، تجلى حرص قوي على أصلية المواد والتقنيات والشكل والهيكل، حتى لا يتحول الترميم نفسه إلى طبقة جديدة تطمس آثار الزمن.

لكن الملفت بعد حماية الأثر، هو ربطه بحياة الناس.

فقد جرى الجمع بين حماية الآثار والسياحة والتعليم والثقافة، عبر تحسين مسارات الزيارة والبرامج التعليمية والبحثية، وتطوير منتجات ثقافية وإبداعية تستلهم محتويات المعبد والعمارة القديمة، من مغناطيسات مستوحاة من بوذا وقاعة ماني، إلى أعمال قص ورق ومجسمات تركيب وأعمال يدوية مستوحاة من التماثيل البوذية.

فبهذه الطريقة، عندما يتحول تفصيل من مبنى عمره ألف عام إلى شيء يحمله طفل في يده، أو يضعه شخص على مكتبه، فإنه يكون قد خرج من جدران المعبد ودخل إلى الحياة اليومية.

لكن ما لفت الأنظار هو أن قيمة لونغشينغ لم تنته عند أسواره.

بعد الخروج، كانت تشنغدينغ تعيش إيقاعها الطبيعي. مطاعم وأكشاك وزوار وسكان يمارسون حياتهم اليومية. كما لو كانت تقول إن أفضل طريقة لحماية التراث ليست عزله عن الناس، بل إيجاد علاقة جديدة بينهم وبينه.

في لونغشينغ، بدت التكنولوجيا والترميم والسياحة والتعليم أدوات مختلفة لهدف واحد هو أن يبقى الماضي حاضرا من دون أن يفقد ذاكرته.

كنت قد كتبت من قبل عن إعطاء الصين هياكلها القديمة «عقلا جديدا» عبر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. أما هنا، الفلسفة تبدو مختلفة -- الماضي لا يحتاج بالضرورة إلى عقل جديد، بقدر ما يحتاج إلى حياة جديدة.

وقد نجحت مقاطعة خبي ليس في إبقاء التراث واقفا فحسب، بل قادرا على جذب الناس، وإثارة أسئلتهم، وربط ذاكرتهم بالمكان.

ملاحظة المحرر: محمد مازن هو صحفي مصري مخضرم مقيم في الصين.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

الصور