تغطية ميدانية: في غزة.. حين يتحول المأوى إلى مصيدة للموت
غزة 18 سبتمبر 2026 (شينخوا) لم يكن انهيار عمارة السعادة في حي الصبرة غربي مدينة غزة مجرد حادث انهيار مبنى. بالنسبة إلى عشرات العائلات التي كانت تقيم داخلها، كان لحظة مفاجئة تحول فيها المكان الذي احتموا به من الحرب إلى كتلة من الخرسانة والحديد، فيما بقي آخرون تحت الأنقاض ينتظرون من يسمع أصواتهم.
على مدى أكثر من 15 ساعة، انهمكت فرق الدفاع المدني في البحث بين الركام عن أحياء ومفقودين، بينما كانت عائلات تقف في الخارج تراقب عمليات الحفر وتنتظر خبرا عن أقاربها.
وبحسب الدفاع المدني، انتشلت جثامين 21 شخصا وأنقذ 45 آخرون من تحت الأنقاض، فيما تمكن عدد آخر من الخروج من المبنى لحظة انهياره.
كانت العمارة المؤلفة من ستة طوابق تؤوي نحو 100 شخص، معظمهم عائلات نزحت من منازل دمرت أو تضررت خلال الحرب، ولم يكن أمامها مكان آخر تلجأ إليه.
المبنى نفسه كان قد أُصيب بأضرار خلال الحرب، لكنه تحول لاحقا إلى مأوى، في صورة تختصر مأزقا أوسع في قطاع غزة.. آلاف الأشخاص يبحثون عن سقف يحميهم من المطر والبرد، فيجدون أنفسهم تحت أسقف متصدعة قد لا تصمد فوق رؤوسهم.
-- "لم أسمع أي رد"
كان عرفات أبو الريش داخل عمارة السعادة عندما بدأ كل شيء.
وقال أبو الريش لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن الانهيار حدث بسرعة شديدة، وإنه لم يستوعب في اللحظات الأولى ما جرى.
"بدأت أصرخ على أطفالي وزوجتي، لكنني لم أسمع أي رد. ظننت أنهم فارقوا الحياة".
وأضاف أنه ظل عالقا تحت الركام قبل أن يسمع، بعد ساعات، أصوات رجال ينادون بوجود أحياء.
وصرخ أبو الريش باتجاههم، وسمعوه، وكانت تلك الصرخة بداية طريقه إلى الخارج، لكن النجاة لم تكن نهاية المأساة.
فقد أبو الريش ابن خالته محمود سعدة وجميع أفراد أسرته، الذين كانوا داخل المبنى نفسه.
وبينما خرج أبو الريش مع أفراد عائلته من تحت الأنقاض، بقيت عائلة سعدة تحت الركام، ليتحول الأمر بالنسبة إليه من مكان كان يوفر مأوى لعائلته إلى المكان الذي دفنت فيه أسرة كاملة.
وقال أبو الريش "أكثر ما يؤلمني هو أنني وعائلتي نجونا بينما فقدت ابن خالتي وجميع أفراد أسرته في المكان نفسه"، مضيفا أن صوت الانهيار وصور الركام لا يزالان حاضرين في ذاكرته.
ويعيش أبو الريش الآن مع تسعة من أفراد عائلته في غرفة أُعيد تأهيلها داخل ما تبقى من منزل يعود لشقيقه.
وتحاصر أكوام الركام الغرفة من جهاتها الأربع، وتتساقط أحيانا حجارة من المبنى عندما تهتز الأرض، بحسب وصفه.
لم تعد كلمة "المنزل" بالنسبة إلى العائلة تعني بالضرورة الأمان.
قال أبو الريش إن عائلته تخشى أن يتكرر انهيار عمارة السعادة أمامها، مضيفا "نحن نعيش هنا لأننا لا نملك مكانا آخر، لكننا نخاف من أن يصبح هذا المكان نفسه خطرا علينا".
-- أصوات تحت الركام
بالنسبة إلى عناصر الدفاع المدني الذين شاركوا في عمليات البحث، لا ينتهي المشهد بانتهاء عملية الإنقاذ.
وقال نوح، وهو أحد عناصر الدفاع المدني، إن الوقوف أمام مبنى منهار بينما توجد أصوات أشخاص تحته يولد شعورا بالعجز والخوف، لكن طبيعة العمل لا تترك مجالا طويلا للتفكير في الخطر الشخصي.
وتابع نوح، عبر اتصال هاتفي، "لا أملك وقتا للتفكير في نفسي لأن كل دقيقة قد تعني حياة إنسان".
وفي عمليات البحث، يصبح الصوت القادم من بين الخرسانة أحيانا هو الدليل الوحيد على وجود ناجين.
"أحيانا نسمع صوتا من تحت الركام، فنشعر أن الأمل عاد، ونبدأ بالحفر بكل ما نملك من قوة"، قال نوح.
لكن أكثر اللحظات قسوة، كما أضاف، هي عندما تصل الفرق إلى المكان الذي صدر منه الصوت ولا تجد أحدا حيا.
وفي عمارة السعادة، اختلطت أصوات رجال الإنقاذ بصرخات أفراد العائلات التي كانت تبحث عن أقاربها.
كل دقيقة كانت تحمل احتمالا مزدوجا: العثور على ناج أو انتشال جثمان.
-- مصدر الخطر
من بين أكثر المشاهد التي بقيت حاضرة بعد انهيار المبنى، مقطع مصور لطفلة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، كانت عالقة تحت الركام، تطلب من رجال الدفاع المدني إنقاذها وإنقاذ والدتها.
لكن والدتها كانت قد فقدت حياتها إثر انهيار المبنى فوقهما.
وفي التسجيل، تظهر الطفلة محاصرة بين كتل الإسمنت والحديد، فيما تحاول فرق الإنقاذ الوصول إليها.
لم تكن تعرف كم ستنتظر، ولا إن كان الصوت الذي تطلقه سيصل إلى أحد.
هذا المشهد أعاد إلى الواجهة سؤالا يرافق سكان غزة منذ سنوات: ماذا يعني أن يكون للإنسان مأوى إذا كان السقف نفسه قد يصبح مصدر الخطر؟
-- الاختيار بين خطرين
الخوف من انهيار المباني ليس جديدا على سكان القطاع. فما حدث في عمارة السعادة لم يعد مجرد واقعة من الماضي، بل جزءا من ذاكرة تتكرر كلما انهار مبنى جديد.
وقالت وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة في بيان إن نحو ثلاثة آلاف مبنى مصنف ضمن المباني الخطرة أو الآيلة للسقوط.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر في قطاع دمرت الحرب فيه مساحات واسعة من العمران، فيما لا تملك عائلات كثيرة القدرة على الانتقال إلى مساكن أخرى آمنة بسبب حجم الدمار الحاصل.
وتعني هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق بمبنى واحد، ولا بحي واحد.
إنها تعني أن عائلات كثيرة قد تضطر إلى الاختيار بين خطرين: البقاء في خيمة لا تحمي من المطر والبرد، أو الاحتماء داخل مبنى متضرر قد ينهار في أي وقت بسبب تصدعه نتيجة الغارات الإسرائيلية السابقة.
وقال محمود بصل الناطق باسم الدفاع المدني لـ ((شينخوا)) إن حجم الخطر يتجاوز قدرة فرق الإنقاذ المتاحة.
وبحسب بصل، تعيش آلاف العائلات داخل مبان تحتاج إلى تقييم أو تدعيم أو إزالة، بينما تفتقر فرق الدفاع المدني إلى المعدات اللازمة للتعامل مع مبان غير مستقرة.
وأضاف أنه في المباني المتضررة، لا يكون الخطر مرئيا دائما. وقد يبدو واقفا، والسقف في مكانه، لكن تشققا صغيرا في أساساته أو أي غارات قريبة يمكن أن تتسبب في انهياره.
ويشير بصل إلى أنه مع اقتراب الشتاء، يصبح القرار أكثر قسوة. فمن يهرب من الخيمة بسبب المطر والبرد قد يجد نفسه مضطرا إلى دخول مبنى متضرر.
هكذا يتحول البحث عن مأوى إلى بحث عن أقل الخيارات خطرا، لا عن مكان آمن بالضرورة.
وبالنسبة إلى الذين ما زالوا يعيشون داخل مبان متضررة في أنحاء القطاع، لا تبدو الحكاية بعيدة.. كل تشقق في الجدار يمكن أن يعيد إلى الذاكرة صورة عمارة السعادة.. كل صوت ارتطام قد يدفع سكانا إلى النظر نحو السقف.
في غزة، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من العائلات أين ستنام اليوم.. هناك سؤال آخر يسبق النوم: هل سيبقى السقف فوق رؤوسنا حتى الصباح؟







