رأي ضيف: تايوانتشوانغ.. قصة قرية صينية ملهمة في النهوض الريفي

رأي ضيف: تايوانتشوانغ.. قصة قرية صينية ملهمة في النهوض الريفي

2026-09-20 11:38:17|xhnews

بقلم: محمد مازن

عند مدخل قرية تايوانتشوانغ في مقاطعة خبي الصينية، تبدو ملامح التحول واضحة في تفاصيل المكان: شوارع نظيفة، وأشجار على جانبي الطريق، ومبان سكنية عصرية ومرتبة، وحركة هادئة، غير أن أحد أكثر المشاهد تعبيرا عن هذا التحول صورة لعدد من كبار السن يجلسون حول مائدة واحدة يتناولون وجبة تقدم ضمن الخدمات المجانية التي توفرها القرية لسكانها داخل مطعم مجتمعي.

هذا المشهد البسيط يختصر جانبا من قصة قرية انتقلت، بفضل قيادة وحكمة إدارة محلية، خلال عقود من محدودية الموارد وصعوبة ظروف الإنتاج إلى بناء اقتصاد محلي متنوع، استطاع أن يوفر مصادر دخل وخدمات اجتماعية للسكان.

وجاءت زيارة تايوانتشوانغ ضمن وفد يضم أكثر من 30 صحفيا ومدونا صينيا وأجنبيا، في إطار فعالية "استشعار السعادة في الصين" للوقوف على تجربة القرية التنموية.

وتقع القرية على الضفة الشمالية لنهر هوتوه بالقرب من حاضرة المقاطعة مدينة شيجياتشوانغ، وتضم اليوم 512 أسرة ويبلغ عدد سكانها 2030 نسمة، فيما تتكون قيادة القرية من 7 أعضاء. ووفق البيانات، بلغ دخل الاقتصاد الجماعي للقرية 33 مليون يوان في عام 2025، بينما وصل متوسط دخل الفرد إلى 35 ألف يوان (حوالي 5224 دولارا).

لكن هذه الأرقام لا تشرح وحدها كيف وصلت القرية إلى وضعها الحالي. داخل متحفها، تبدأ القصة من ظروف مختلفة تماما.

قبل عقود، كانت تايوانتشوانغ تعاني من محدودية الأراضي الزراعية وصعوبة ظروف الإنتاج. وكان نصيب الفرد من الأرض الزراعية لا يتجاوز نحو 200 متر مربع، فيما جعلت طبيعة التربة الرملية الزراعة أكثر صعوبة.

وتظهر الصور القديمة المعلقة على جدران المتحف طبيعة الحياة في تلك المرحلة، من مساكن متواضعة وأدوات زراعية يدوية وموارد محدودة. وكانت احتياجات الأسر الأساسية، مثل توفير الغذاء وبناء مسكن وتأمين مستقبل أكثر استقرارا للأبناء، تمثل تحديات يومية.

وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حاول سكان القرية تحسين دخولهم من خلال زراعة الخضروات وتربية الدجاج، لكن نقطة التحول جاءت عام 2000 مع تغيير قيادة القرية.

وبحسب المسؤولين، تبرع أمين فرع الحزب الشيوعي الصيني آنذاك بألفي يوان من ماله الخاص، وحشد السكان للمساهمة في إنشاء طريق يربط القرية بالمدينة.

كان الطريق بداية لتغيير أوسع في طريقة إدارة موارد القرية. ومع تحسن الاتصال بالمدينة، بدأت الأراضي والأصول المحلية تدخل في ترتيبات اقتصادية جديدة، وتوسعت الشراكات مع الشركات، وتنوعت الأنشطة من الزراعة التقليدية إلى التصنيع والتسويق والخدمات، ثم السياحة ورعاية كبار السن والزراعة الذكية.

وتظهر آثار هذا التحول في تفاصيل المكان. فقد حلت المساكن القديمة ذات الجدران الطينية محلها مبان عصرية ومساحات خضراء، وتحولت المراحيض البسيطة إلى حديثة وذكية، بينما أصبحت الأدوات الزراعية اليدوية وميزان القباني والسلال المصنوعة من القش والخيزران جزءا من ذاكرة القرية في المتحف.

كما تغير دور الأرض في الاقتصاد المحلي. فلم تعد مجرد مساحة لإنتاج المحاصيل، بل أصبحت جزءا من منظومة اقتصادية أوسع. وأصبح المزارع قادرا، وفق النموذج الذي شرحه مسؤولو القرية، على الجمع بين ملكية الأرض والمساهمة في المشروعات والعمل فيها، بينما وفرت الأنشطة الجديدة فرصا للعمل داخل القرية.

وفي الزراعة، حلت التقنيات الرقمية تدريجيا محل الأدوات التقليدية، وأصبح استخدام التكنولوجيا والبيانات في إدارة المزارع جزءا من عملية الإنتاج.

وامتد التحول إلى البنية والخدمات اليومية في القرية، مع مسارات للمشاة والدراجات والسيارات، ومساحات خضراء، ومرافق عامة متطورة، إلى جانب استخدام الطاقة الشمسية وشواحن السيارات الكهربائية والدراجات الكهربائية.

ولم يتوقف التطور عند الاقتصاد والعمران.

فبحسب ما عرضه مسؤولو القرية، تطورت منظومة الخدمات الاجتماعية بالتوازي مع نمو الاقتصاد الجماعي، بما في ذلك دعم التعليم، ومساندة بعض الأسر، وبرامج لرعاية كبار السن، إلى جانب أنشطة اجتماعية وترفيهية.

وقد حصل السكان ضمن ترتيبات التطوير على مساكن جديدة، وتتحمل القرية جانبا من بعض التكاليف الأساسية. كما تطورت منظومة الدعم التعليمي؛ فالطلاب المقبولون في جامعات وطنية من الدرجة الأولى يحصلون على مساعدات لتغطية تكاليف الدراسة، فيما يحصل طلاب المدارس الثانوية الرئيسية على مكافآت سنوية.

أما كبار السن، وهم الذين ظهرت صورتهم في بداية الجولة حول المائدة، فيحصل من تجاوزوا الستين عاما على مساعدة شهرية إضافة إلى معاشهم، إلى جانب الإفطار والغداء مجانا، وتنظيم أنشطة ورحلات صيفية لهم.

كما تقدم القرية دعما شهريا لبعض المرضى المصابين بأمراض خطيرة، ويمكن للأسر التي تستقبل طفلا ثالثا الحصول على دعم إضافي من الاقتصاد الجماعي.

وبذلك أصبح الاقتصاد الجماعي إحدى الأدوات التي تمول بها القرية جزءا من الخدمات، وتعيد من خلالها توجيه بعض عوائد التنمية إلى السكان.

وتجاوز التغيير إلى الحياة الاجتماعية أيضا، حيث قال المسؤولون إن القرية تنظم فعاليات لتكريم الأمهات والزوجات والأسر والعسكريين، وأنشطة مخصصة لكبار السن، ومبادرات تهدف إلى الحد من ارتفاع تكاليف الزواج والمهور. كما تعقد اجتماعات دورية يشارك فيها أعضاء الحزب وممثلو السكان لمناقشة شؤون القرية.

وفي الوقت نفسه، دخلت السياحة إلى المعادلة.

فالقرية تستفيد من مزارعها وحدائقها ومواردها الثقافية في تطوير أنشطة تستقطب الزوار، لتصبح السياحة مصدرا إضافيا للدخل، وليست نشاطا منفصلا عن الاقتصاد الريفي.

وفي ختام الجولة، خاض الوفد تجربة بالواقع الافتراضي لـ"المسيرة الطويلة"، ذلك الحدث التاريخي الذي ارتبط في الذاكرة الصينية بسنوات من المشقة والتنقل والمواجهة، وبالقدرة على الاستمرار في ظروف بالغة الصعوبة.

وفي الشارع بعد الانتهاء، كان رجل مسن وزوجته يصطحبان طفلا. سألتهما عن شعورهما بالحياة في هذا المكان، فقالا لي كلمات بسيطة تلخص بالنسبة إليهما ما حدث "لماذا لا نشعر بالسعادة؟ لقد أصبحت حياتنا أقل مشقة".

قد تختصر هذه العبارة جانبا أساسيا من تجربة تايوانتشوانغ التي لم تبدأ عملية النهوض بها بامتلاك موارد استثنائية، وإنما بإعادة استخدام الموارد المتاحة بصورة مختلفة؛ الأرض، والعمل الجماعي، والقرية نفسها، ثم تحويلها تدريجيا إلى اقتصاد وخدمات وحياة أقل مشقة وأكثر جودة.

 

ملاحظة المحرر: محمد مازن هو صحفي مصري مخضرم مقيم في الصين.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

الصور