مقالة خاصة: موسم حصاد البلح يعيد الحياة إلى قرى شمال السودان

مقالة خاصة: موسم حصاد البلح يعيد الحياة إلى قرى شمال السودان

2026-09-21 05:32:15|xhnews

الباجا، شمال السودان 20 سبتمبر 2026 (شينخوا) مع انبلاج الصباح في قرية الباجا التابعة لمحلية الدبة بشمال السودان، اتجه المزارعون نحو بساتين النخيل، استعداداً ليوم طويل من الصعود إلى الأشجار وجني العذوق وجمع الثمار وفرزها.

وفي قلب أحد البساتين، كان القفّاز سالم بلال (50 عاما) يستعد لتسلق نخلة شاهقة، حيث ربط أدواته، وأمسك بجذعها، ثم بدأ الصعود بخفة اكتسبها خلال أكثر من ثلاثة عقود قضاها في هذه المهنة.

وأسفل النخلة، كان آخرون ينتظرون سقوط العذوق، فيما امتدت أيديهم لالتقاطها وجمع البلح المتناثر، وعلى الأرض، تراكمت كميات من الثمار التي ستشق طريقها لاحقا إلى الفرز والتجفيف والتخزين، ثم إلى الأسواق.

كان ذلك مشهدا من موسم "حش البلح"، كما يسميه سكان المنطقة، وبالنسبة إلى أهل شمال السودان لا يمثل هذا الموسم مجرد نهاية لدورة زراعية، وإنما بداية لدورة اقتصادية واجتماعية كاملة تتحرك خلالها القرى والأسواق والأسر والعمال.

وفي هذا الموسم، تبدو النخلة أكثر من مجرد شجرة مثمرة، فهي مصدر دخل، وفرصة عمل، وذاكرة اجتماعية، ومكان يلتقي عنده أفراد الأسرة والعمال والمزارعون، فيما تحاول القرى استعادة شيء من حياتها الطبيعية وسط تداعيات الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023.

 

-- أكثر من 30 عاماً فوق النخيل

من أعلى النخلة، كان سالم بلال يتحرك بين العذوق بحذر وخبرة.

وقال بلال، الذي يعمل على تسلق النخيل منذ أكثر من 30 عاماً، إنه يستطيع حصاد أكثر من 50 نخلة في اليوم، رغم أن العمل أصبح أكثر صعوبة مقارنة بما كان عليه في السابق.

ولم تعد أجرة القفّاز، بحسب بلال، كما كانت في الماضي، إذ أصبحت تعتمد على حصة من المحصول تعادل نحو السبع، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتغير ظروف العمل.

ومع ذلك، لم تبتعد المهنة عن أسرته، إذ يعمل اثنان من أبنائه أيضا في تسلق النخيل، وهو ما يراه استمرارا لمهنة تعلمها ومارسها طوال عقود.

وتكشف تجربة بلال جانبا من اقتصاد موسم البلح لا يظهر في الأسواق.. فقبل أن يصل البلح إلى المستهلك، تمر الثمرة عبر سلسلة من الأيدي والأعمال تبدأ بالقفّاز الذي يصعد إلى أعلى النخلة، ثم العمال الذين يجمعون العذوق ويفرزون الثمار، قبل أن تنتقل إلى التجفيف والتعبئة والتخزين والنقل والتجارة.

وفي المزرعة نفسها، يتابع صاحبها عوض صالح عملية الحصاد بين أشجاره التي يزيد عددها على 400 نخلة.

ويتوقع صالح أن يتراوح إنتاج مزرعته هذا الموسم بين 500 و600 جوال من البلح، بوزن يبلغ نحو 100 كيلوجرام للجوال الواحد.

ويبلغ سعر جوال البلح، الذي يزن نحو 100 كيلوجرام، حاليا نحو 100 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 21 دولارا وفق سعر الصرف الرسمي البالغ نحو 4.700 جنيه للدولار الواحد، أو نحو 12.5 دولار وفق سعر الصرف في السوق الموازية البالغ نحو 8.000 جنيه للدولار، وبالنسبة إلى صالح، فإن قيمة الإنتاج الإجمالية تبدو كبيرة عند احتسابها وفق عدد الجوالات وسعر البيع، إلا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، ولا سيما الوقود والكهرباء والعمالة والنقل، يقلص بصورة كبيرة ما يتبقى للمزارع من عائد في نهاية الموسم.

وقال صالح "لقد ارتفعت تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة، مع زيادة أسعار الوقود وعدم توفر الكهرباء بصورة كافية، فضلاً عن تكاليف خدمة النخيل والحصاد والنقل، ولذلك فإن إنتاج المزرعة المتوقع لن يغطي جميع تكاليف الموسم".

 

-- الحرب تغيّر طريق البلح

قبل اندلاع الحرب، كان جزء من إنتاج مزارعي المنطقة يغادر الولاية الشمالية متجها إلى أسواق في غرب السودان.

وأوضح صالح أن هذا المسار تغير بسبب الحرب وإغلاق الطرق، فأصبح تسويق البلح أكثر اعتمادا على الأسواق داخل الولاية الشمالية.

ولا يتعلق الأمر بتغير وجهة البيع فقط، فقد انعكست الحرب على تكاليف النقل وحركة العمال والأسواق، وعلى قدرة المزارعين على الوصول إلى مناطق كان إنتاجهم يصل إليها في السابق.

وأصبحت النخلة في هذه الظروف أكثر أهمية لبعض الأسر، باعتبارها موردا يمكن الاعتماد عليه في وقت تراجعت فيه أو تعطلت مصادر أخرى للدخل.

لكن تأثير الحرب لا يظهر في الأسعار والطرق وحدها، ففي موسم الحصاد، تستعيد القرى حركة اجتماعية اعتادت عليها منذ أجيال.

وفي الباجا، يتجمع المواطنون حول المزرعة للمشاركة في جمع البلح وفرزه، بينما ينشغل آخرون بنقل العذوق والمحصول، ويبدو العمل الجماعي جزءاً طبيعياً من موسم ينتظره السكان كل عام.

وبالنسبة إلى الشاب سعيد جاد الله، فإن موسم البلح يحمل معنى يتجاوز العمل الزراعي، فقد عاد جاد الله إلى القرية للمشاركة في موسم الحصاد، ليجد نفسه من جديد وسط النخيل وأهل القرية في مناسبة تجمع الناس حول عمل واحد.

ويعكس حضوره سؤالا أكبر فرضته سنوات الحرب: هل لا يزال موسم البلح يحتفظ بروحه الاجتماعية القديمة؟ بالنسبة إلى جاد الله، فإن الإجابة تظهر في المشهد نفسه، فالناس ما زالوا يتجمعون، والأسر ما زالت تشارك، والعمل الجماعي ما زال حاضرا.

لكن هذه العودة تحمل أيضا معنى جديدا بعد الحرب، وقال جاد الله إن "الحرب فرقت الأسر وأجبرت أعدادا كبيرة من السودانيين على النزوح، بينما أعادت مواسم الزراعة بعضهم، ولو بصورة مؤقتة، إلى قراهم وأراضيهم".

وبين جذوع النخيل، لا يبدو الموسم حكرا على كبار السن، إذ يشارك الشباب في عمليات الجمع والنقل والفرز، فيما يتعلم بعضهم المهن المرتبطة بالنخيل من آبائهم.

وأكد بلال أن وجود اثنين من أبنائه في مهنة القفّاز يمثل دليلا على أن هذه المهنة القديمة لا تزال تجد طريقها إلى جيل جديد.

ورأى سعيد جاد الله أن قدرة الشباب على مواصلة الارتباط بالنخيل تظل ممكنة، لكن استمرار هذا الاقتصاد يحتاج إلى ظروف تساعد المزارعين والعمال على تحقيق عائد أفضل من إنتاجهم.

ورغم أن مشهد العذوق المتدلية من النخيل يوحي بوفرة الموسم، فإن المزارعين لا ينظرون إلى الإنتاج بمعزل عن تكلفته، فالوقود، والكهرباء، والعمالة، والنقل، وخدمة النخيل، كلها عناصر تدخل في حسابات الموسم.

وقال صالح إن ارتفاع هذه التكاليف يجعل الحصول على عائد يتناسب مع حجم الإنتاج أمراً صعباً، وتزداد أهمية هذه المشكلة مع ارتفاع تكلفة المعيشة، إذ تحتاج الأسر إلى السيولة بصورة مستمرة، بينما لا يستطيع المزارع دائماً الانتظار حتى يجد أفضل سعر لمحصوله.

ومع اقتراب الشمس من الغروب، كان العمل لا يزال مستمرا في المزرعة، فالعذوق التي سقطت خلال النهار تجمعت على الأرض، والبلح الذي سيغادر المزرعة لاحقا بدأ يأخذ طريقه إلى الفرز والتخزين، فيما ظل بعض المزارعين والعمال يتابعون ما تبقى من عمل اليوم.

أما بالنسبة إلى سكان الباجا، فإن موسم الحصاد لا يعني فقط ما ستنتجه مئات النخيل في هذه المزارع، بل يعني أيضا أن القرية استعادت، ولو لأسابيع، شيئاً من حركتها القديمة. 

الصور