وجهة نظر: اليمن والصين: سبعون عامًا من الصداقة وشراكة تتجدد عبر التاريخ

وجهة نظر: اليمن والصين: سبعون عامًا من الصداقة وشراكة تتجدد عبر التاريخ

2026-09-22 23:03:34|xhnews

بقلم: محمد عبد الواحد الميتمي

يصادف شهر سبتمبر من هذا العام مناسبتين عزيزتين على قلوب اليمنيين: الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة، والذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين اليمن وجمهورية الصين الشعبية في الرابع والعشرين من سبتمبر 1956، وهما مناسبتان تجمعان بين صداقة دولية قامت على الاحترام والتعاون، وتطلع الشعب اليمني إلى الجمهورية، والحرية والعدل والمساواة.

غير أن قصة التعارف بين الشعبين أقدم بكثير من السفارات والمعاهدات؛ فقد امتدت الصلات التجارية بين اليمن والصين أكثر من ألفي عام عبر طريقي البخور والحرير. ويمكن القول، بشيء من جمال التاريخ، إن الصين عرفت اليمن أولًا بالرائحة قبل أن تعرفه على الخريطة؛ إذ بلغها اللبان والمُرّ والأخشاب العطرية القادمة منه، فيما عرف اليمن الصين باللمس من خلال الخزف الرقيق الذي وصل إلى عدن وأبين وحضرموت. ولا تزال آلاف الشظايا المكتشفة في المواقع اليمنية شاهدًا ماديًا على شبكة تجارية ربطت الصين بجنوب الجزيرة العربية والهند والخليج وشرق إفريقيا.

ثم جاء اللقاء وجهًا لوجه. ففي القرن الخامس عشر كتب البحّار الصيني العظيم تشنغ خه فصلًا ذهبيًا في تاريخ التواصل بين الصين والعالم العربي؛ وخلال رحلاته السبع بين عامَي 1405 و1433 عبرت أساطيله المحيط الهندي، وتشير بعض المصادر الصينية الرسمية إلى أنها زارت عدن خمس مرات.

وتمنحنا المصادر اليمنية تفصيلًا ثمينًا؛ فقد وصل الأسطول إلى عدن بين أواخر 1418 ومطلع 1419، ثم انتقل مبعوثه برًا إلى الجَنَد قرب تعز للقاء السلطان الرسولي الملك الناصر أحمد، حاملًا الخزف والمسك والأخشاب العطرية والحرير المنسوج بخيوط الذهب، ليرتقي اللقاء من تبادل تجاري في الميناء إلى اتصال رسمي بين البلاطين.

وفي سنة 1421 يوثّق الرحّالة الصيني ما هوان وصول بعثة رسمية إلى عدن على متن ثلاث سفن كنز، فأمر السلطان بفتح الأسواق أمامها، واشترى المبعوثون الأحجار الكريمة واللؤلؤ والمرجان وماء الورد والحيوانات النادرة - وبعضها ليس من إنتاج اليمن - وهو ما يكشف أن عدن كانت سوقًا عالمية للعبور وإعادة التصدير. ولم تكن الحركة في اتجاه واحد؛ إذ يذكر "تاريخ مينغ" أن عدن أوفدت إلى الصين أربع بعثات حملت الرسائل والهدايا وقوبلت بالتكريم والعطايا.

ومن أجمل ما حفظته الوثائق نقش "الاستجابة الروحية للإلهة تيانفي"، الذي أقامه تشنغ خه ورفاقه سنة 1431 في مقاطعة فوجيان، فقد سجّل أن بلاد "آدان" - وهي عدن في المصادر الصينية - قدّمت إلى البلاط الإمبراطوري حيوانًا أثبت اسمه بصيغة صوتية تقابل الكلمة العربية "زرافة". وفي هذه الكلمة اجتمعت ثلاثة عوالم: حيوان من إفريقيا، وسوق في اليمن، وصوت عربي حفظته وثيقة صينية حتى اليوم. لقد كانت تلك الرحلات، على ضخامة سفنها، جسور تجارة ودبلوماسية ومعرفة، لا سفن غزو أو احتلال.

وتبرز هنا مفارقة التاريخ: ففي سنة 1839 احتلت بريطانيا عدن بالقوة، وفي العام التالي اندلعت حرب الأفيون الأولى ضد الصين، ثم احتلت القوات البريطانية جزيرة هونغ كونغ سنة 1841 وفُرض التنازل عنها سنة 1842. وخلال سنوات قليلة استهدفت القوة الاستعمارية بوابتين محوريتين للتجارة العالمية: عدن عند مدخل البحر الأحمر، وهونغ كونغ عند بوابة الصين. وشتّان بين سفن صينية جاءت تحمل التجارة والهدايا، وسفن استعمارية جاءت بالمدافع وفرضت الاحتلال؛ إنه الفرق بين التواصل والمنفعة المتبادلة، والهيمنة ونهب مقدرات الشعوب.

وبعد إعلان جمهورية الصين الشعبية في 1 أكتوبر 1949، غدت اليمن الدولة الثالثة عربياً، بعد مصر وسوريا، التي تقيم معها علاقات دبلوماسية وذلك في الرابع والعشرين من سبتمبر 1956. وبعد أقل من عامين وقّع البلدان معاهدة صداقة ومعاهدة تجارية واتفاقًا للتعاون العلمي والتقني والثقافي. وحين انتصرت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 وأعلن اليمنيون ميلاد الجمهورية، وقفت الصين إلى جانب اليمن الجمهوري؛ فرُفع التمثيل الدبلوماسي في الثالث عشر من فبراير 1963 من مستوى الوزراء المفوضين إلى مستوى السفراء، ثم وقّع الجانبان سنة 1964 معاهدة صداقة واتفاقات جديدة للتعاون.

وتجلّت قيمة تلك البدايات حين تحولت الاتفاقيات إلى مشروعات يراها الناس في حياتهم اليومية. ففي فبراير 1959 بدأ المهندسون والعمال الصينيون، جنبًا إلى جنب مع اليمنيين، شق طريق صنعاء-الحديدة، من حرارة تهامة عند مستوى البحر إلى جبال يتجاوز ارتفاع بعضها ثلاثة آلاف متر؛ ولهذا أرسلت الصين خبراء سبق لهم المشاركة في أصعب مشروعات الطرق الجبلية في ذلك العصر. وفي يناير 1962 اكتمل الطريق بطول 231.46 كيلومتر، أول طريق إسفلتي حديث في شمال اليمن، فربط الجبل بالبحر والسوق بالميناء، وأسهم بعد أشهر في تثبيت الجمهورية الناشئة بتسهيل حركة الناس والقوات والإمدادات. وخلال حصار السبعين تحركت من محور الحديدة الحملة الجمهورية التي فتحت الطريق وأسهمت في فك الحصار عن العاصمة؛ ولهذا عرفه اليمنيون باسم "الطريق الصيني" و"طريق الثورة".

وعلى مشارف صنعاء توجد مقبرة خاصة بالأصدقاء الصينيين الذين أسهموا في بناء اليمن؛ قطعة أرض يمنية أُفردت لمن جاؤوا من أقصى الشرق فلم يعودوا إلى بلادهم. فيها يرقد مهندسون وأطباء وخبراء وعمال ودبلوماسيون صينيون، فقد كلٌّ منهم حياته وهو في موقع عمله؛ ومن بينهم المهندس تشانغ تشي شيان، نائب رئيس فريق الخبراء في مشروع طريق صنعاء- الحديدة، الذي توفي في الرابع عشر من ديسمبر 1961 متأثرًا بحادث وقع أثناء تفقده سير الأعمال، قبل أسابيع من افتتاح الطريق الذي لم يره مكتملًا. وليس هذا القبر الصيني شاهدًا على حادث أو مشروع، بل هو رمز خالد وذكرى حية وتعبير صادق عن معنى هذه الصداقة: فالصين لم ترسل إلى اليمن اتفاقيات ووعودًا فحسب، بل أرسلت رجالًا احتضنهم تراب اليمن ولم يفارقوه.

ثم اتسع التعاون ليشمل طريق عدن-المكلا، وجسر الصداقة في صنعاء، ومصنع النسيج في عدن، ومدرسة صنعاء الفنية، ومستشفى الثورة في تعز، ومحطة الحسوة الكهربائية، وجسر المكلا الصيني؛ وتشير بيانات صينية رسمية إلى أن مشروعات التعاون المنفذة في اليمن تجاوزت مائة مشروع في النقل والطاقة والصحة والتعليم وغيرها.

غير أن أعمق الجسور لم يُبنَ من الإسمنت أو الحديد، بل من الرحمة. فتشير البيانات الصينية المنشورة إلى أنه منذ سنة 1966 توالى نحو 3500 طبيب وفني صيني على العمل في اليمن، قدموا أكثر من عشرة ملايين خدمة علاجية وأجروا نحو ستمائة ألف عملية جراحية. ووراء كل رقم إنسان استعاد صحته وأسرة تتذكر طبيبًا جاء من آلاف الكيلومترات ليخفف ألمًا أو ينقذ حياة.

وفتحت الجامعات الصينية أبوابها للطلاب اليمنيين، وتشير أحدث البيانات المنشورة إلى وجود أكثر من 6500 طالب يمني في الصين، يحملون معهم اللغة والمعرفة والصداقات. كما أصبح رجال الأعمال اليمنيون جزءًا فاعلًا من المشهد التجاري الصيني، ولا سيما في مدينة ييوو وقوانغتشو تشير بيانات 2025 إلى مشاركتهم في نحو ألف منشأة ذات استثمار أجنبي؛ وكثير منهم يربط المصانع الصينية بأسواق الجزيرة العربية وإفريقيا، مستعيدا بصورة عصرية الدور الذي أدّته المدن اليمنية الساحلية في تجارة المحيط الهندي قديمًا.

وكما وقفت الصين إلى جانب تنمية اليمن وجمهوريته، وقف اليمن إلى جانب حق الصين المشروع. ففي سنة 1971 صوّت اليمن بشطريه لصالح قرار الجمعية العامة رقم 2758 الذي أعاد لجمهورية الصين الشعبية مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة. وظلّ الموقف اليمني ثابتًا في التزامه بمبدأ صين واحدة، وفي دعمه القوي والمتواصل للمواقف الصينية في المسائل المتعلقة بتايوان وشينجيانغ وهونغ كونغ وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا التي تمس مصالح الصين الجوهرية وشواغلها الكبرى.

وفي المقابل، ظلّت الصين وفيّة لتطلع الشعب اليمني إلى الأمن والاستقرار والتنمية. ومنذ انزلاق البلاد إلى الحرب، أكدت الصين دعمها للحكومة اليمنية الشرعية ولمجلس القيادة الرئاسي برئاسة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، ولسيادة اليمن واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه. كما دعمت قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 2216، ودعت إلى تسوية سياسية سلمية شاملة وعادلة توقف نزيف الدم وتفتح طريق التنمية.

إن الذكرى السبعين ليست وقوفًا أمام الماضي، بل نقطة انطلاق. واليمن، وهو يتطلع إلى إنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، يحتاج إلى أصدقائه الصادقين، وتأتي الصين في مقدمتهم؛ ونتطلع إلى عودة المهندس والطبيب والمدرس والمستثمر الصيني كما شارك من سبقوهم في إنشاء الطريق والمصنع والمستشفى والمدرسة. ومبادرة الحزام والطريق ليست، في أحد معانيها التاريخية، إلا إحياءً حديثًا للمسارات التي ربطت طريق الحرير بطريق البخور؛ وقد كان لي، بصفتي وزير الصناعة والتجارة آنذاك، شرف التوقيع نيابةً عن حكومة بلادي على مذكرة التفاهم بانضمام اليمن الى مبادرة الحزام والطريق في الخامس والعشرين من أبريل 2019.

ويؤهّل موقع اليمن على البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب بلادنا لتكون شريكًا طبيعيًا في بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك قوامه السلام والتنمية والمنفعة المتبادلة، بما يفتحه ذلك من فرص واعدة في الموانئ والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي والصحة والتعليم والثروة السمكية.

وفي هذا السياق، نعرب عن بالغ تقديرنا لفخامة الرئيس شي جين بينغ على مبادرته الكريمة بمنح الدول الأقل نموًا التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين معاملة جمركية صفرية على 100% من بنود التعرفة، وهي المبادرة التي شملت بلادنا وبدأ تطبيقها على المنتجات اليمنية اعتبارًا من الأول من ديسمبر 2024. ويمثل هذا القرار فرصة مهمة أمام اليمن للاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الواسعة، ولا سيما في تصدير المنتجات التي تتمتع فيها بلادنا بميزة نوعية، وفي مقدمتها البن والعسل والمنتجات الزراعية والسمكية.

وقد صدق الشاعر الصيني وانغ بوه، حين قال، بما معناه: "إذا صدقت الصداقة، هانت المسافات وغدا البعيد قريبًا".

وإذا كان الرابع والعشرون من سبتمبر قد فتح باب الاعتراف المتبادل بين دولتين، فإن السادس والعشرين منه فتح باب الجمهورية أمام اليمنيين؛ ووقفت الصين إلى جانبهم في المسارين. فقبل قرون حمل البخور عبق اليمن إلى الصين، وحمل الخزف الصيني جمال الصين إلى بيوت اليمن، وقبل سبعين عامًا ارتقت تلك الصلات إلى علاقات دبلوماسية راسخة. واليوم لا نحتفل بمحطة وصول، بل بنقطة انطلاق جديدة نحو طريق نبنيه معًا للسلام وإعادة الإعمار والمعرفة والابتكار، ومستقبل مشترك يليق بتاريخ شعبينا وعمق صداقتهما.

 

ملاحظة المحرر: محمد عبد الواحد الميتمي، هو سفير الجمهورية اليمنية لدى جمهورية الصين الشعبية.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

الصور