تحت القمر نفسه.. عرب في الصين يروون حكايات العيد والوطن

تحت القمر نفسه.. عرب في الصين يروون حكايات العيد والوطن

2026-09-26 14:38:00|xhnews

بكين 26 سبتمبر 2026 (شينخوا) في ليلة عيد منتصف الخريف، حين يكتمل البدر في سماء الصين وتجتمع العائلات حول موائدها، يجد عرب يقيمون في البلاد في هذا المشهد شيئا مألوفا من أعيادهم وذكرياتهم مع الأهل. فالقمر نفسه الذي يضيء سماء الصين في هذه الليلة يستحضر لديهم دفء الوطن والحنين إلى الأحبة.

وصادف عيد منتصف الخريف هذا العام يوم 25 سبتمبر، وهو اليوم الـ15 من الشهر الثامن وفقا للتقويم الصيني التقليدي، ويعد من أهم الأعياد التقليدية في الصين. وخلاله تجتمع الأسر لمشاهدة البدر وتناول "كعك القمر"، وهو كعك تقليدي ارتبط بهذه المناسبة، التي تتزامن أيضا مع موسم الحصاد في البلاد. وبالنسبة إلى بعض العرب المقيمين في الصين، تحمل هذه الطقوس أصداء مألوفة من ثقافاتهم، وإن اختلفت التفاصيل.

وبالنسبة إلى المصري إبراهيم نجم، البالغ من العمر 43 عاما، بدأت قصته مع الصين عام 2009، عندما جاء إليها للمرة الأولى ضمن اتفاقية للتبادل العلمي بين البلدين. وبعد ثلاث سنوات، أسس شركته في مدينة قوانغتشو بجنوبي الصين، ثم تزوج هناك وأنجب طفلتين.

وقال نجم إن القمر يحتل مكانة قديمة في الذاكرة المصرية، إذ ارتبطت أطواره لدى المصريين القدماء بالتقويم والمواسم، فيما يرتبط القمر في الثقافة الإسلامية بالتقويم الهجري وتحديد بدايات الأشهر ومواعيد الأعياد والمناسبات الدينية.

ويتذكر نجم أول احتفال له بعيد منتصف الخريف خلال فترة عمله بجامعة قناة السويس بمصر، حين أهداه زملاء وطلاب صينيون "كعك القمر"، وكانت تلك أول تجربة يتشارك فيها أجواء العيد الصيني مع أصدقاء صينيين.

واليوم في الصين، أصبح "كعك القمر" بالنسبة إليه أكثر من مجرد طعام مرتبط بمناسبة صينية. وقال نجم إنه يستقبل كل عام هدايا من "كعك القمر" يقدمها إليه أصدقاؤه الصينيون "بكل ود وحب"، وهو تقليد يعيد إلى ذاكرته "كعك العيد" في مصر، حيث تجتمع الأسر حول إعداده وتقديمه في عيد الفطر.

وتجد التونسية أسماء، البالغة من العمر 26 عاما، والتي تدرس حاليا للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة بكين للدراسات الأجنبية، في "كعك القمر" أيضا صدى في ثقافتها، وترى تشابها بينه وبين البقلاوة التي تتناولها الأسر في تونس في مناسبات مثل حفلات الزفاف وشهر رمضان.

أما الأردني عبدالله الحنيطي، البالغ من العمر 31 عاما، والذي يعيش في الصين منذ تسع سنوات، فتستدعي أجواء عيد منتصف الخريف لديه صورة مختلفة من وطنه. ففي ذاكرته، يرتبط بدر الخريف في الأردن ببداية موسم حصاد الزيتون.

وقال الحنيطي إن رؤيته للعائلات الصينية مجتمعة في هذا العيد تثير لديه "حرارة اللقاء والحنين للأهل والجلوس في ليالي عمّان الخريفية". ورغم ذلك، مع مرور السنوات، أصبحت الصين جزءا لا يتجزأ من حياته، ليتشكل لديه مفهوم أوسع للوطن بوصفه المكان "الذي تشعر فيه أن هناك من يحبك ويهتم لأمرك، بغض النظر عن المكان الذي تعيش فيه".

أما المصري محمد رفعت، البالغ من العمر 45 عاما، فجاء إلى الصين قبل 17 عاما للدراسة ثم العمل. وبدأت رحلته بصعوبات اللغة واختلاف العادات، قبل أن تتحول تدريجيا إلى "قصة حب لهذا البلد وشعبه الطيب".

ولفت رفعت إلى أن القمر حاضر في الشعر العربي كرمز للجمال والسكينة وصورة تستحضر الأحبة البعيدين، وهو ما وجد صداه في قصة "تشانغ آه" الأسطورية الصينية المرتبطة بالعيد. وأضاف أن انطباعه الأول عن العيد الصيني، رغم اختلاف الطقوس، هو التشابه الجوهري مع الأعياد العربية في قيمة "لمّ شمل الأسرة".

غير أن المعنى العاطفي الذي يحمله القمر بالنسبة إلى الصينيين لم يكن واضحا لأسماء في البداية. وتتذكر أنه في أحد الأيام، وبينما كانت في الطريق برفقة صديق صيني، قال لها "ما أجمل القمر الليلة، أشتاق إلى عائلتي". ولم تفهم حينها العلاقة بين القمر والاشتياق إلى العائلة، قبل أن يشرح لها أن القمر في الثقافة الصينية، وخاصة خلال عيد منتصف الخريف، يرتبط بالاشتياق إلى الأهل ولمّ الشمل.

ومنذ ذلك اليوم، بات القمر بالنسبة إلى أسماء يحمل معنى جديدا أكثر من مجرد رمز للجمال في الأشعار العربية. وأوضحت أن رؤية القمر تجمع الناس في أماكن مختلفة رغم بُعد المسافات، "وكأنه نقطة تواصل بصرية تجمعني بعائلتي أينما كنا".

ومع اختلاف التجارب، تتقاطع حكايات هؤلاء العرب عند معنى واحد، فالأعياد في الصين لا تفصلهم عن أعيادهم وذكرياتهم في الوطن، بل تمنحهم مناسبة لاستعادتها من زاوية جديدة.

فإبراهيم نجم يحرص على أن تبقى الأعياد والمناسبات الصينية والمصرية حاضرة في حياة أسرته، حيث يحتفل بعيد منتصف الخريف في الصين ويسافر مع عائلته إلى مصر خلال الإجازات الطويلة للمشاركة في الأعياد والمناسبات هناك. أما عبدالله الحنيطي، فلا يرى الوطن مرتبطا بمكان واحد، فيما وجد محمد رفعت في عيد منتصف الخريف تقاربا في بعض القيم مع الأعياد العربية. أما أسماء، فترى أن الصين أصبحت وطنها الثاني بعد تونس بفضل أصدقائها.

ويظل القمر في ليلة منتصف الخريف بالنسبة إليهم صلة رمزية بالأهل البعيدين، وهو ما عبر عنه نجم بقوله "مهما أبعدتنا المسافات واختلفت البلاد، يظل القمر رفيقا لنا، يربط بين القلوب المتباعدة ويجمع المشاعر تحت ضوئه".

وبعد سنوات من العيش في الصين، لم يعد الوطن في تجاربهم مفهوما مرتبطا بمكان واحد، بل بات يتسع ليشمل ما يصنعه الإنسان من علاقات وذكريات وشعور بالألفة والانتماء.

وفي ليلة منتصف الخريف، يظل القمر واحدا، ليضيء سماء مدن وبلدان مختلفة، جامعا القلوب تحت نور واحد. 

الصور