أكاديمي صيني: لكي يُفهَم الفكر الصيني في العالم العربي: الترجمة جسر للفكر والحضارة

أكاديمي صيني: لكي يُفهَم الفكر الصيني في العالم العربي: الترجمة جسر للفكر والحضارة

2026-09-29 14:04:01|xhnews

شانغهاي 29 سبتمبر 2026 (شينخوا) قبيل حلول اليوم الدولي للترجمة الذي يصادف يوم 30 سبتمبر الجاري، أجرت وكالة أنباء شينخوا لقاء مع الأستاذ الدكتور وانغ يو يونغ رئيس اللجنة الأكاديمية لتخصص اللغة العربية بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية. وأشار وانغ إلى أن حسن رواية قصة الصين وبلوغ صوتها العالم رهن بترجمة رفيعة المستوى، فهي أساس التواصل وجسر التلاقي بين الحضارات.

وقال وانغ إنه في خضم التحولات العالمية المتسارعة، ونهوض الجنوب العالمي، وتعمق التعددية القطبية، بات التعريف بالفكر الصيني وحلول الصين وطريقها أحوج إلى جسور لغوية وثقافية.

وفي رأي وانغ، تتكامل مبادرات التنمية والأمن والحضارة والحوكمة العالمية، التي طرحتها الصين، لتقدم رؤية لمواجهة تحديات العصر، وتفتح آفاقا للتعاون الصيني العربي في الحكم والتعلم الحضاري والحوكمة العالمية. ويعتبر وانغ أن خدمة تواصل الحزب الشيوعي الصيني والدولة مع العالم رسالة أكاديمية وتربوية؛ فيجلي الفكر بالترجمة، ويصل الحضارات بالبحث، ويعد الأجيال.

-- تحول الرسالة: من معرفة العالم إلى تفسير الصين

بدأ وانغ يو يونغ بدراسة أسلوبية اللغة العربية والنقد الأدبي والدراسات الإقليمية، فاتخذ من اللغة والثقافة سبيلا إلى فهم العالم العربي، ثم أدرك أن الباحث في لغة أجنبية لا يكتفي بدراسة الآخر، بل أن يعرفه بلغته على الصين. وهكذا اتسع مشروعه من "معرفة العالم العربي" إلى "تفسير الصين للعالم العربي"، ومن البحث اللغوي إلى ترجمة التراث والوثائق الوطنية وسرديات الصين المعاصرة، فتحولت معرفته بالعربية وثقافتها إلى قدرة على رواية قصة الصين.

وقد تجلى هذا التحول في تنوع النصوص التي عمل عليها: ففي الكتاب التراثي يعود إلى الشروح القديمة ويتتبع أصل الحكمة؛ وفي الوثيقة السياسية يدقق المصطلح ويحافظ على اتساقه؛ أما في قصص التنمية، فيسعى إلى نقل الوقائع بلغة حية لا تحوّلها إلى شعارات جامدة. وحول ذلك، قال وانغ: "كثيرا ما تجمع الفقرة الواحدة مفهوما سياسيا واستشهادا قديما وتجربة معاصرة، فيحتاج مترجمها إلى معرفة الصين من داخلها ومعرفة القارئ العربي الذي يتوجه إليه".

وأردف وانغ قائلا إن الترجمة اليوم مطالبة بالجمع بين التراث والحاضر، وبين شرح الصين وفهم العالم، وبالتعريف بالجماعة الوطنية الصينية ومجتمع المستقبل المشترك للبشرية معا؛ فصون الجذور لا ينفصل عن الاستجابة للعصر.

ويرى وانغ أنه وعلى ضوء ذلك، لا تعتبر ترجمة فكر الزعيم الصيني استبدالا للألفاظ، بل شرحا للفكر وطريق التنمية وخبرات الحكم والقيم الحضارية، وأنها عمل يجمع الدقة السياسية والفكرية واللغوية والثقافية، وينتقل من الألفاظ إلى الأفكار ومن النصوص إلى الخطاب.

-- ترجمة الفكر: رواية قصة الصين بلغة العالم

شارك وانغ في ترجمة مؤلفات أو أشرف عليها، ومنها «شي جين بينغ يروي القصص» و«كلمات تلمس القلوب: اقتباسات الأمين العام شي جين بينغ من التراث» و«الألفة والمودة: قوة كلمات شي جين بينغ» و«قصص شي جين بينغ عن مكافحة الفقر». كما شارك في ترجمة أجزاء من «شي جين بينغ حول الحكم والإدارة» و«نصوص مختارة من مؤلفات شي جين بينغ». وتكشف هذه الأعمال منطق الحزب في الحكم، ومسيرة الإصلاح والانفتاح والتحديث الصيني النمط، وقيم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

وقال وانغ: "تبرز خصوصية هذا العمل في ترجمة الاستشهادات التراثية في خطابات الزعيم الصيني، إذ لا يكفي التكافؤ اللفظي، بل يجب تقصي أصولها وسياقاتها ومقاصدها، وإعادة بناء دلالاتها بالعربية، حتى تضيء الحكمة القديمة الممارسة المعاصرة". وقد أُطلقت النسخة العربية من «كلمات تلمس القلوب: اقتباسات الأمين العام شي جين بينغ من التراث» في الرباط بالمغرب، مؤكدةً أن الخطاب السياسي الصيني لا يُفهم عميقا إلا إذا وُصل بجذوره الحضارية.

وأضاف وانغ أن فريق ترجمة الكتاب المذكور كان يناقش كل حكمة: أتنقل مباشرة، أم تقرب بعبارة عربية، أم تحتاج إلى إيضاح موجز؟ ثم تراجَع الصياغة حتى يستقيم معناها وتنساب عربيتها. أما في «قصص شي جين بينغ عن مكافحة الفقر»، فكان المطلوب نقل أثر السياسات في القرى والأسر والأفراد، ليظهر القضاء على الفقر تجربة إنسانية لا أرقاما مجردة.

وترجم وانغ «معجزة بودونغ»، وأشرف على «البداية العظيمة»، وبحث حول نشر تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي الصيني بالعربية، حيث رسخت هذه الخبرات قناعته بأن تفسير الصين المعاصرة ينبغي أن يوضع في سياق كفاح الحزب الشيوعي الصيني على مدى قرن، والإصلاح والانفتاح والتحديث الصيني النمط، ليجمع الخطاب بين عمق التاريخ وحقيقة الواقع وقوة الإقناع.

-- وصل التراث بالحاضر: تفسير الصين من جذورها الحضارية

في رأي وانغ، لا تُفهم الصين المعاصرة بمعزل عن الحضارة التي صاغت ملامحها. فقد استلهم الزعيم الصيني من الحكمة الصينية جعل الشعب أساسا للحكم، والوئام والصدق، والتوازن بين العدالة والمصلحة، والحكم بالطقوس والفضيلة. ومن هذا المنطلق، نقل وانغ إلى العربية «شيون تسي»، و«ليه تسي في أحضان الريح»، و«أحاديث عن جذور الحكمة»، و«مسامرات بجوار الموقد»، و«مختارات من كتاب الحوار»، و«المحاضرات المفتوحة في فلسفة منشيوس»، ويواصل ترجمة «هانفي تسي» و«موه تسي» وغيرها.

وحول ذلك، قال وانغ: "غاية هذه الجهود تقديم مفتاح ثقافي يُعين القارئ العربي على إدراك أن التحديث الصيني النمط نما في تربة الحضارة الصينية، وأن دعوة الصين إلى التعلم المتبادل بين الحضارات ليست موقفا عابرا، بل تعبير عن رؤيتها إلى العالم ومنظومتها القيمية".

وقد عمقت هذه المسيرة فهم وانغ للترجمة بوصفها موازنة بين ما يفقد وما يكتسب، حيث قال: "على المترجم أن يصون جوهر النص، ويوازن بين الأمانة وقابلية التلقي. والوعي بالقارئ لا يعني مجاراته، بل البحث، مع صون الذات الثقافية، عن مساحات التفاهم والقيم المتلاقية، والتمييز بين النقل والشرح وإعادة بناء الدلالة".

وأضاف وانغ: "تبدأ معالجة النصوص القديمة عمليا بمقارنة الطبعات والشروح، ثم تحديد المعنى الأنسب، وصوغ مسودة قريبة من الأصل، وأخرى أوضح للقارئ، قبل المراجعة النهائية. وقد تتوقف المراجعة عند كلمة تبدو بسيطة، لأنها تحمل دلالة أخلاقية وسياسية وفلسفية في آن واحد. وهكذا تصبح الأمانة حماية للمعنى والنبرة والأثر، لا محاكاة لترتيب الكلمات".

-- الانفتاح والتعاون: إعداد جيل جديد للتواصل الصيني العربي

يتطلب إعداد مترجمين رفيعي المستوى تعاونا مع الجامعات ومراكز البحوث ودور النشر والمنظمات العربية، عبر التأهيل المشترك والترجمة التعاونية والتعليم المستمر. وقد تبنى وانغ نموذج التعاون بين المترجمين الصينيين والعرب؛ فالصيني أقدر على فهم سياق النص ومنطقه، والعربي أدرى بدقائق لغته وذائقة قارئه. ومن تضافر الخبرتين والمراجعة، يتبلور معنى أدقّ وتتولد لغة أصفى ويخرج نص أكثر قبولا.

ومن خلال تعاونه مع مؤسسات نشر في لبنان والسعودية والمغرب ومصر، وجدت ترجمات وانغ طريقها إلى المشهد الثقافي العربي.

وتابع وانغ: "تجري الشراكة عبر قراءة النص، وتحديد مواضع الصعوبة، وإعداد المسودة، وتوحيد المصطلحات والأسماء، ثم مناقشة العبارات المحتملة ومراجعتها،" مضيفا: "قد تتوقف عند كلمة صحيحة معجميا ولكنها غريبة عن السياق. وتتحول هذه الخبرة في قاعة الدرس إلى مهام حقيقية: بناء قائمة مصطلحات، ومقارنة مسودتين، ومراجعة الأعلام، واكتشاف موضع أخطأ فيه المترجم الآلي فهم السياق".

ويرى وانغ أن إعداد المترجم الكفء يقتضي تكامل الكفايات السياسية واللغوية والثقافية والتخصصية والتقنية والتواصلية، وهو ما تختزله فلسفة "قلب صيني، وعين عالمية، وعقل مبتكر" التي تعني: قلب يفهم الصين ويحبّها ويخدمها، وعين تنفتح على العالم العربي والجنوب العالمي، وعقل يحسن توظيف الذكاء الاصطناعي والمدونات الرقمية والمناهج المتعددة التخصصات. فالتقنية ترفع كفاءة البحث والمراجعة، لكنها لا تغني عن الإنسان في التقدير السياسي والوعي الثقافي والتحقق الأكاديمي والحسّ الجمالي. لذا يجب أن يقترن توظيفها بأخلاقيات المهنة وأمن البيانات وحماية الخصوصية والملكية الفكرية، لتمنح الترجمة سرعة لا تفقدها دفأها، ودقة لا تطمس فرادتها، وابتكارا لا ينفصل عن القيم.

وقال وانغ إن نشر الفكر الصيني في العالم العربي لا يقتصر على إصدار الكتب، بل يهدف إلى بناء قنوات لغوية وثقافية وأكاديمية وبشرية مستدامة، وتحويل المؤلفات المترجمة إلى موارد للتدريس والبحث وإعداد الكفاءات. والغاية أن يبلغ الفكر الصيني القارئ العربي بلغة يقبل عليها، وأسلوب يستسيغه، وخطاب يفهمه ويثق به، فتغدو الترجمة جسرا للمعرفة، وسبيلا إلى التفاهم، ونافذة على الصين، وقوة للحوار والتآلف بين الحضارات. 

الصور