تغطية ميدانية: بعد نحو عام على وقف إطلاق النار في غزة .. القتل مستمر ومخاوف النازحين تتفاقم
غزة أول أكتوبر 2026 (شينخوا) بعد نحو عام على دخول وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، ما يزال الفلسطينيون يعيشون وسط آثار حرب خلفت دمارا واسعا وخسائر بشرية ومادية هائلة، فيما لم تنجح الهدنة في إنهاء المخاوف اليومية المرتبطة بالقتل والنزوح ونقص الغذاء والمياه والدواء والمأوى.
وبالنسبة إلى مئات الآلاف من النازحين الذين ما زالوا يعيشون في الخيام أو مراكز الإيواء، لم يكن العام الذي مر منذ وقف إطلاق النار عودة إلى الحياة الطبيعية، بل مرحلة جديدة من المعاناة، تتداخل فيها صعوبة إعادة بناء المنازل مع محدودية المساعدات واستمرار تدهور الظروف المعيشية واقتراب فصل الشتاء.
ووفقا لإحصائية وزارة الصحة في غزة اليوم (الخميس)، منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 وحتى اليوم، بلغ عدد القتلى 1439 شخصا، فيما أصيب 5052 آخرون، وتم انتشال جثامين 834 شخصا.
وتعني هذه الأرقام أن وقف إطلاق النار لم ينه الخسائر البشرية في القطاع، في وقت ما تزال فيه أعداد كبيرة من الفلسطينيين غير قادرة على العودة إلى منازلها بسبب الدمار الذي لحق بالمناطق السكنية خلال الحرب.
وفي هذا الصدد، يقول شادي الزعانين (43 عاما) وهو نازح من مدينة بيت حانون شمالي قطاع غزة وأب لأربعة أبناء ويقيم حاليا في خيمة داخل مخيم إيواء بمدينة غزة، لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن "شيئا لم يتغير" بالنسبة إليه ولعائلته بعد عام على وقف إطلاق النار.
ويضيف الزعانين أن عمليات الاستهداف وهدم المباني ما تزال مستمرة، إلى جانب إغلاق المعابر والصعوبات التي يواجهها المرضى في الحصول على العلاج والأدوية.
ويقول إن حياة النازحين ما تزال معلقة بين الخيام ومراكز الإيواء، بينما تتزايد المخاوف مع اقتراب الشتاء.
ويضيف "أكبر آمالنا في قطاع غزة أصبح العودة إلى حياتنا قبل السابع من أكتوبر 2023، والعيش بأمان واستقرار دون الخوف من القتل والجوع والنزوح".
ويطالب الزعانين المجتمع الدولي بالنظر إلى معاناة سكان غزة والضغط من أجل إدخال مزيد من المساعدات، مشيرا إلى أن الكميات التي تدخل القطاع ما تزال، بحسب تقديره، أقل بكثير مما كان متوقعا بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار.
ولا تبدو معاناة النازحين مرتبطة بالمأوى وحده، فمع استمرار تضرر البنية التحتية والخدمات الأساسية، تواجه الأسر صعوبة في تأمين احتياجاتها اليومية من المياه والغذاء والرعاية الصحية، بينما فقد كثير من السكان مصادر دخلهم خلال الحرب.
ويقول إبراهيم الفراني (40 عاما) وهو نازح من جباليا وأب لخمسة أبناء، إن الحياة في غزة "اختلفت بشكل كبير جدا"، مشيرا إلى انتشار الأمراض وافتقار أعداد كبيرة من السكان إلى المأوى والغذاء والمياه.
ويضيف أن نقص الخيام ومستلزمات التدفئة يمثل مصدر قلق متزايدا مع اقتراب فصل الشتاء، قائلا إن "الشتاء بالنسبة لنا يعني الخوف من المطر والبرد، وليس مجرد تغير في الطقس".
ويقول الفراني إن أمله الأكبر هو العودة إلى منزله وانتهاء حالة النزوح، لكنه يضيف أن العودة بالنسبة لكثير من العائلات لا تعني مجرد فتح الطريق أمامها، إذ إن منازل كثيرة دمرت أو تضررت بشدة، فيما تحتاج مناطق واسعة إلى إزالة الركام وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على المنازل ومصادر الدخل، بل امتدت إلى التعليم الذي تعرض لاضطرابات واسعة، ما جعل مستقبل آلاف الطلبة مرتبطا بقدرة القطاع على إعادة تشغيل مؤسساته التعليمية.
وتقول الطالبة الجامعية تغريد حرارة، التي تدرس الهندسة في إحدى جامعات غزة، إن الحرب فرضت عليها وعلى زملائها ظروفا استثنائية وجعلت مواصلة الدراسة تحديا يوميا، في ظل النزوح والخوف وتضرر المؤسسات التعليمية وصعوبة الوصول إلى بيئة مناسبة للتعلم.
وتضيف حرارة أن الطلبة لا يحتاجون فقط إلى استئناف المحاضرات، وإنما إلى استعادة الإحساس بالأمان والاستقرار الذي يسمح لهم بالتفكير في مستقبلهم.
وتقول إن ما تتمناه بعد مرور عام على وقف إطلاق النار هو أن تستعيد حياتها الجامعية بصورة طبيعية، وأن يتمكن الطلبة في غزة من العودة إلى مقاعد الدراسة ومواصلة تعليمهم دون الخوف من فقدان حياتهم أو منازلهم.
وتابعت "الحياة الجامعية التي كانت أمرا عاديا قبل الحرب أصبحت بالنسبة لنا حلما".
أما أسماء أبو عمرة (38 عاما) فلم يكن مرور عام على وقف إطلاق النار كافيا لمحو آثار فقدان زوجها الذي قتل في غارة إسرائيلية خلال الحرب.
وأصبحت أبو عمرة تعيل أطفالها الثلاثة بمفردها، وتواجه مسؤولية توفير احتياجاتهم في ظروف معيشية صعبة، فيما لا يزال غياب الزوج حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية للأسرة.
وتقول أبو عمرة لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن وقف إطلاق النار بالنسبة إليها لا يعني فقط توقف أصوات القصف، وإنما أن تتمكن أسرتها من العيش بأمان، وأن يحصل أطفالها على احتياجاتهم الأساسية، وأن تجد الأسر التي فقدت معيلها الدعم اللازم لمواصلة حياتها.
وتضيف أن "عاما كاملا مر، لكن آثار الحرب لم تمر ولم يتغير شيء من معاناتها".
وتلخص حالة أبو عمرة جانبا من أزمة أوسع تواجه آلاف الأسر التي فقدت أفرادا أو معيلين خلال الحرب، إذ أصبح على النساء والأطفال في كثير من الحالات التعامل مع آثار الفقد إلى جانب النزوح والفقر وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.
ويشير المحلل السياسي مصطفى إبراهيم من غزة إلى أن وقف إطلاق النار لم ينه الأزمة الإنسانية، وإنما نقل كثيرا من مظاهرها إلى مرحلة ما بعد القصف.
ويقول إبراهيم لـ((شينخوا)) إن الوضع الإنساني ما يزال "معقدا"، مشيرا إلى استمرار تدمير المنازل والنقص في المياه الصالحة للشرب والأدوية والخدمات الطبية، فضلا عن حاجة مرضى إلى السفر إلى الخارج لتلقي العلاج.
ويضيف أن حجم الدمار يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية عملية طويلة، حتى في حال استمرار وقف إطلاق النار، لأن إعادة بناء المنازل والمنشآت والبنية التحتية تحتاج إلى موارد ضخمة ووقت طويل.
ووفقا لأحدث تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة بنحو 71.5 مليار دولار، وهو رقم يعكس اتساع نطاق الدمار والحاجة إلى إعادة بناء قطاعات متعددة، وليس المنازل وحدها.
كما قدر التقييم معدل البطالة في غزة خلال العام 2025 بنحو 78 بالمائة، ما يوضح حجم التأثير الذي خلفته الحرب على سوق العمل ومصادر الدخل.
ويرى إبراهيم أن الأرقام الاقتصادية لا تعكس وحدها حجم الأزمة، لأن كثيرا من الأسر فقدت منازلها ومصادر دخلها في الوقت نفسه، وأصبحت تعتمد على المساعدات أو الأعمال المؤقتة لتوفير احتياجاتها الأساسية.
ويقول إن "المشكلة ليست فقط في إعادة بناء الحجر، وإنما في إعادة بناء حياة الناس".
وأضاف إن التحدي الأكبر أمام غزة خلال المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من إدارة الأزمة الإنسانية إلى معالجة أسبابها وآثارها، بما يشمل إعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية وإعادة تشغيل المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والصحية.
وتابع أن أي عملية تعاف ستحتاج إلى معالجة شاملة تشمل السكان الذين يعيشون حاليا في الخيام، والأسر التي فقدت منازلها، والمرضى، والطلبة، والأسر التي فقدت معيلين.
وبعد عام على وقف إطلاق النار، تبدو مطالب سكان غزة بسيطة مقارنة بحجم ما فقدوه، أن يتوقف القتل، وأن يجدوا مأوى آمنا، وأن تتوفر لهم المياه والغذاء والدواء، وأن تفتح المعابر أمام المرضى والمساعدات، وأن يتمكن الأطفال من العودة إلى التعليم، وأن تعود الأسر إلى منازلها.
لكن بالنسبة إلى سكان القطاع، ما يزال تحقيق هذه المطالب الأساسية يمثل الطريق الطويل الذي يفصل بين وقف إطلاق النار وبين عودة الحياة إلى طبيعتها.
وبينما يقترب شتاء جديد، يقف النازحون في خيامهم أمام فصل آخر من الانتظار، يحملون الأمل نفسه الذي تكرر طوال العام: أن يكون العام المقبل مختلفا، وأن يتمكنوا أخيرا من مغادرة الخيام والعودة إلى بيوت آمنة وحياة لا يحددها الخوف.








