رسالة من الشرق الأوسط: حين يتحول "الوطن" إلى "رماد" وسط استمرار "هجمات المستوطنين" في الضفة الغربية

رسالة من الشرق الأوسط: حين يتحول "الوطن" إلى "رماد" وسط استمرار "هجمات المستوطنين" في الضفة الغربية

2026-10-04 22:32:30|xhnews

بقلم براق تشاو

رام الله 4 أكتوبر 2026 (شينخوا) بوجه شاحب وعينين مثقلتين بالحزن، يقف الفلسطيني محمود طوباسي (60 عاما) فوق سطح منزل والده في قرية جالود جنوب غربي نابلس، صامتا وهو ينظر إلى منزله المحترق على سفح الجبل المقابل.

وبين حين وآخر، يطلق تنهيدة طويلة، ثم يركز عينيه على الجدران ذات الحجر القدسي، وهو حجر جيري طبيعي عالي الجودة يستخرج من جبال فلسطين، والتي اسودت بفعل النيران، وكأن عينيه تبحثان بين آثار الحريق عن شيء من الحياة التي كانت تجمعه بزوجته وأبنائه هناك.

تبدو ملامحه منهكة، ويغلب الصمت على كلماته، وعندما يستعيد تفاصيل ما حدث، يخفض رأسه للحظات، فيما تختلط في عينيه مشاعر الحزن والعجز والخوف.

وفي الليلة التي سبقت حديثه، رأى طوباسي في المنام أن المستوطنين عادوا لمهاجمته، وأن الخطر الذي حاول طويلا الهروب منه عاد ليحاصره من جديد.

لم يكن ذلك الكابوس بعيدا عن واقع عاشه طوباسي قبل أكثر من 70 يوما، عندما تحولت ليلة عائلية عادية إلى ساعات من الخوف والرعب، كادت تنتهي بمقتل أفراد أسرته أو إحراقهم داخل منزلهم.

ففي ذلك الوقت، حاصر مستوطنون منزل طوباسي وبدأوا بمهاجمته، فيما كان أفراد عائلته، وبينهم أطفال ونساء، عالقين في الداخل.

وسيطرت حالة من الخوف والرعب على المنزل، وتعالت صرخات الاستغاثة من النساء والأطفال، بينما لم يتمكن أحد من الوصول إليهم أو تقديم المساعدة.

ومع تصاعد الخطر، اضطر طوباسي إلى طلب النجدة من الشرطة الإسرائيلية، وظلت أسرته محاصرة لساعات، وهي لا تعرف ما إذا كان المستوطنون سيقتحمون المنزل أو يشعلون النار فيه وهم بداخله.

وبعد ساعات، وصلت القوات الإسرائيلية وتمكنت من مساعدة طوباسي وأفراد أسرته على الخروج من المنزل.

غادروا المكان وهم لا يحملون معهم سوى ما استطاعوا حمله، تاركين وراءهم منزلهم وكل ما ارتبط به من ذكريات وحياة أسرية، من دون أن يعرفوا حتى ما إذا كانوا سيتمكنون من العودة إليه يوما، لكن طوباسي لم يكن مستعدا للاستسلام لهذا الواقع، وبدلا من أن يكتفي بمغادرة منزله، قرر اللجوء إلى القضاء الإسرائيلي، ورفع قضية ضد المستوطنين، مطالبا بحقه في العودة إلى منزله وأرضه.

وبعد أكثر من 70 يوما من الانتظار، صدر حكم قضائي إسرائيلي لصالحه، كما تعهد ضابط الارتباط الإسرائيلي بإعادة المياه والكهرباء إلى المنزل، الأمر الذي أعاد إليه شيئا من الأمل.

ويقول طوباسي "شعرت أن الطريق إلى منزلي بات مفتوحا من جديد، وبإمكاني أخيرا استعادة الحياة التي انتزعت مني بالقوة".

وفي فجر 29 سبتمبر الماضي، عاد الرجل وأفراد أسرته، برفقة الجيش الإسرائيلي، إلى منزلهم الواقع جنوب قرية جالود، لكن فرحته لم تدم طويلا، فما إن وصل إلى المكان حتى ظهر عدد من المستوطنين وبدأوا بمهاجمتهم، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى إجباره وزوجته على الصعود إلى سيارة جيب ونقلهما إلى مكان يبعد نحو 100 متر عن منزلهما.

ومن ذلك المكان، لم يكن أمام الزوجين سوى مشاهدة النيران وهي تلتهم منزلهما.

وبحسب طوباسي، أدخل المستوطنون إطارات سيارات إلى داخل المنزل وأشعلوا النار فيها، فيما ظل هو وزوجته يشاهدان ألسنة اللهب وهي تلتهم المكان الذي أمضيا سنوات في بنائه والعيش فيه.

ويقول طوباسي بصوت خافت، محاولا التغلب على غصة تكاد تخنقه "كانت زوجتي بجانبي تصرخ وتبكي، شعرت وكأن شيئا يسد صدري، قفزت من نافذة السيارة لأحاول إيقاف هذا الجنون، لكن الجيش أبعدنا عن المكان".

واستمر الحريق لأكثر من ثلاث ساعات، بحسب أحمد عبد الغني (52 عاما)، أحد سكان القرية، وبسبب وجود ما بين 100 و150 مستوطنا في المنطقة وإغلاق الطرق، لم تتمكن سيارات الإطفاء من الوصول إلى المكان، ولم يكن أمامها سوى الانتظار حتى تنطفئ النيران من تلقاء نفسها.

بالنسبة لطوباسي، لم يكن المنزل مجرد مبنى أنفق عليه المال، رغم أنه استغرق ثلاث سنوات لتشييده حجرا فوق حجر، بل كان حصيلة سنوات من العمل والحلم، ومكانا ارتبطت به تفاصيل حياته الأسرية.

وما إن يستعيد طوباسي تلك السنوات، حتى تتغير ملامح وجهه، فيما ترتسم ابتسامة عابرة على وجهه قبل أن يشير إلى قمة الجبل المقابلة، ويقول "الهواء هناك نقي، والموقع مرتفع، ولذلك كنا نستطيع رؤية جبال السلط في الأردن، وفي الطقس الصافي كنا نستطيع رؤية أريحا في الجنوب".

ويضيف "كنا نعيش أنا وزوجتي وأولادي حياة أسرية هادئة، وكانت لدينا أيام جميلة يحسدنا عليها الآخرون".

لكن تلك الحياة بدأت تتفكك حتى قبل أن تلتهم النيران المنزل.

ويقول "في يوليو هذا العام، استولى المستوطنون على منزلي، اضطررت إلى العيش مع زوجتي وابنتي في منزل والدي المؤلف من طابقين، بينما انتقل أحد ابنيّ إلى رام الله والآخر إلى كفر ياسيف".

وعقب إحراق منزل طوباسي، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إن عنف المستوطنين ليس مجرد "وصمة أخلاقية"، بل يمثل انتهاكا لسيادة القانون والقيم، داعيا إلى معاقبة المسؤولين عنه.

كما نقل موقع "أكسيوس" الإخباري الأمريكي عن مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية في 29 سبتمبر أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدين الجرائم العنيفة التي يرتكبها أي طرف في الضفة الغربية، وتدعم التحقيقات المناسبة والمساءلة والإجراءات القضائية.

لكن بالنسبة إلى طوباسي، لا تستطيع التصريحات إعادة منزله.

ولم تقتصر خسارة طوباسي على منزله، فقد خسر أيضا نحو 26 دونما من الأرض التي كانت تمثل مصدر دخله الوحيد، فيما يقترب موسم قطف الزيتون الذي كان يعول عليه لتأمين احتياجات أسرته.

وتبدو أشجار الزيتون في أرضه ممتلئة بالثمار، لكن طوباسي لا يجرؤ على الوصول إليها.

وكان قد زرع نحو 350 شجرة زيتون، إلا أن المستوطنين قطعوا أكثر من نصفها، كما قطعوا أشجار التين واللوز، واقتلعوا أشجار العنب، وفككوا السياج والبوابة المعدنية المحيطة بالأرض.

ويقول بحسرة "لم يتركوا لي شيئا".

وتقع أرض طوباسي ومنزله ضمن المنطقة المصنفة "ب" في الضفة الغربية، وهي منطقة تخضع، بموجب ترتيبات اتفاق أوسلو، للإدارة المدنية الفلسطينية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية والعسكرية عليها.

وبحسب اتفاق أوسلو الثاني الذي وقع عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، جرى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج) حيث تختلف في كل منها طبيعة السيطرة والمسؤوليات.

فالمنطقة (أ) تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية وتشمل معظم المدن الفلسطينية الرئيسية، بينما المنطقة (ب) تتولى فيها السلطة الفلسطينية المسؤوليات المدنية في حين تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية والعسكرية عليها، أما المنطقة (ج) والتي تشكل الجزء الأكبر من مساحة الضفة الغربية، فتخضع للسيطرة الإسرائيلية المدنية والأمنية، وتشمل معظم المستوطنات الإسرائيلية.

وبالنسبة إلى طوباسي، فإن وجود منزله وأرضه في المنطقة (ب) لا يعني أن حياته بمنأى عن الاعتداءات، إذ يقول إن المستوطنين يواصلون الوصول إلى المنطقة ومهاجمة السكان، بينما تبقى السيطرة الأمنية والعسكرية بيد إسرائيل.

ويقع منزل طوباسي أمام مستوطنة جديدة على الجانب الآخر من الوادي، على مسافة نحو كيلومتر واحد بخط مستقيم.

ويقول إن قرية جالود كانت تعيش حالة من الهدوء النسبي رغم وجود المستوطنات القريبة، إلى أن ظهرت في يناير الماضي بؤرة استيطانية تعرف باسم "رأس العين".

ويمر الطريق من البؤرة باتجاه مستوطنة قريبة بمحاذاة منزله، ومنذ ذلك الوقت بدأت المضايقات تتزايد.

ويقول طوباسي إن الأمر بدأ بمواجهات محدودة ومشادات بين حين وآخر، قبل أن يتحول إلى اعتداءات متكررة، ويشرح "كانوا يأتون ويرحلون، ويغيبون شهرا أو أكثر، ثم يعودون، كانت هناك مضايقات ومواجهات بسيطة، لكن بعد الحرب توحشوا أكثر".

وبحسب روايته، بدأ المستوطنون برشق الحجارة ومحاصرة المنزل ومنع أفراد الأسرة من الدخول والخروج، لتتحول الحياة اليومية إلى حالة دائمة من الخوف.

ويقول "منذ ذلك الوقت، ونحن نعيش في خوف كل يوم... الجيش الإسرائيلي يغض الطرف، والشرطة الفلسطينية عاجزة".

وفي تقرير لمجلس الأمن الدولي في نهاية سبتمبر الماضي، قالت الأمم المتحدة إن الحكومة الإسرائيلية خصصت نحو 431 مليون دولار لبناء المستوطنات في يوليو 2026، مشيرة إلى تزايد هجمات المستوطنين في المناطق المصنفة (ب) وحتى في المناطق المصنفة (أ)، وخلص التقرير إلى أن الإفلات من العقاب يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تدفع إلى استمرار هذه الهجمات.

ويؤكد طوباسي أن القضية لا تتعلق بالمنزل وحده، فالأرض، بحسب قوله، مسجلة باسم والده لدى هيئة الأراضي الفلسطينية ووزارة المالية، وهو ما يعزز تمسكه بحقه فيها، ويقول "الأمر لا يتعلق بالمنزل فقط، بل يريدون الاستيلاء على الأرض بأكملها".

وفي الضفة الغربية، لا يعيش طوباسي وحده هذه التجربة، فعلى بعد أكثر من عشرة كيلومترات من جالود، كان المزارع باسم داود (65 عاما) يستعد لقطف الزيتون في أرضه ببلدة بيتا.

قاد داود سيارته برفقة أطفاله إلى الأرض، حاملا سلما وقطعة قماش استعدادا لموسم القطاف، وكانت أرضه تقع على بعد نحو 200 متر من بؤرة استيطانية.

لكن الأسرة لم تتمكن من بدء العمل، حيث وصلت قوات إسرائيلية إلى المكان، وأطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص، ومنعوا داود وأفراد أسرته من الوصول إلى أشجارهم وقطف الزيتون.

ويقول لـ((شينخوا)) "إن نحو أربع مركبات عسكرية وصلت إلى المنطقة، وكان في كل منها نحو أربعة أو خمسة جنود، بينما اقترب المستوطنون سيرا على الأقدام وأحاطوا بنا... الحمد لم يسفك دم ذلك اليوم".

لكن ما حدث لم يكن أول اعتداء يتعرض له خلال موسم الزيتون.

ففي العام الماضي، هاجم المستوطنون داود وأفراد أسرته، ويستذكر "ضربونا حتى توقفوا بعدما اعتقدوا أن أحدنا قد مات".

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، نزح نحو 3,800 فلسطيني خلال عام 2026 بسبب عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء، فيما وقعت أكثر من 1,430 حادثة مرتبطة بالمستوطنين وأثرت على نحو 260 تجمعا فلسطينيا.

وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية إلى أن محافظة نابلس سجلت نحو 900 هجوم نفذه مستوطنون خلال النصف الأول من عام 2026، وهو العدد الأعلى بين محافظات الضفة الغربية، فيما سجلت المحافظة 137 هجوما في شهر أغسطس الماضي وحده.

ويقول معين ياسين، رئيس مجلس قروي جماعين الواقعة في محافظة نابلس، لـ((شينخوا)) إن ما يحدث في مناطق متفرقة من الضفة الغربية يشبه "حريقا كبيرا" يمتد من المستوطنات والبؤر الاستيطانية ليطال البساتين والأراضي الزراعية والمنازل الفلسطينية.

الصور