(وسائط متعددة) رأي ضيف: خبي: حين يسير التحديث على قدمين... الإنسان والتكنولوجيا

(وسائط متعددة) رأي ضيف: خبي: حين يسير التحديث على قدمين... الإنسان والتكنولوجيا

2026-10-04 14:40:15|xhnews
الصورة الملتقطة في 18 مارس 2022 تظهر منصة لمراقبة انبعاثات الكربون في منطقة شيونغآن الجديدة بمقاطعة خبي شمالي الصين. (شينخوا)

بقلم محمد مازن

في خبي، يمضي التحديث الصيني النمط على قدمين ــ الإنسان والتكنولوجيا، في تجسيد ملموس.

فخلال جولة ميدانية في عدد من مدنها وقراها، لا تبدو التحولات التي تشهدها المقاطعة مشروعات متفرقة أو جزرا تنموية منفصلة، وإنما أجزاء من منظومة واحدة تتقاطع فيها البنية التحتية مع الابتكار الصناعي، والطاقة النظيفة مع الاقتصاد الرقمي، وتحديث المدن مع تحسين الخدمات العامة، بينما يعاد توظيف التاريخ والثقافة ليصبحا جزءا من اقتصاد الحاضر.

وتمتد مقاطعة خبي على مساحة حوالي 188 ألف كيلومتر مربع، وبلغ ناتجها المحلي أكثر من 4.93 تريليون يوان في عام 2025. وتضم نحو 15,500 شركة عالية التقنية على مستوى وطني، و28 ألف شركة صغيرة ومتوسطة تكنولوجية. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تكشف وحدها طبيعة التحول الجاري. فموقع خبي داخل مثلث بكين-تيانجين-خبي منحها مكانة خاصة في عملية التحديث، وجعلها نقطة التقاء بين وظائف العاصمة وموارد المناطق الثلاث، وبين قاعدة صناعية عريقة واقتصاد جديد يقوم على الابتكار والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

وتظهر هذه الصورة بصورة جلية في منطقة شيونغآن الجديدة. فمنذ إطلاق بناء المنطقة عام 2017، لم تُطرح شيونغآن باعتبارها مجرد امتداد عمراني جديد، بل بوصفها تجربة لبناء مدينة تستبق احتياجات المستقبل، وتجمع بين البنية الرقمية والتنمية الخضراء والخدمات القريبة من السكان.

وتدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في إدارة قطاعات مختلفة من المدينة، بالتوازي مع استعادة النظام البيئي لبحيرة باييانغديان، لتصبح حماية البيئة جزءا من عملية البناء نفسها. وفي هذه المعادلة، لا تظهر التكنولوجيا باعتبارها هدفا بحد ذاته، وإنما أداة لإدارة مدينة أكثر كفاءة واستدامة.

لكن معنى المدينة الذكية لا يتوقف عند الشاشات وأنظمة الإدارة. فالاختبار الحقيقي يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، وفي مفهوم "دائرة الـ15 دقيقة" الذي يسعى إلى جعل المدرسة والمتجر والخدمات الصحية والرياضية والثقافية في نطاق قريب من السكان أقل من تلك المدة الزمنية سيرا على الأقدام.

حتى المكتبة العامة في شيونغآن لا تبدو منفصلة عن ذلك. فالمبنى الذي تبلغ مساحته نحو 68 ألف متر مربع ويضم آلاف المقاعد والكتب لا يحتكر وظيفة المكتبة داخل جدرانه، إذ تمتد خدمات القراءة إلى المجتمعات السكنية من خلال نقاط وعربات روبوتية متنقلة، لتصبح المعرفة نفسها خدمة يمكن الوصول إليها في الحياة اليومية، لا نشاطا يحتاج إلى رحلة خاصة.

ومن شيونغآن، يأخذ مسار التحديث شكلا آخر في هوايلاي بمدينة تشانغجياكو، حيث تتحول الطاقة والبيانات في المحافظة القريبة من بكين إلى مكونات لاقتصاد جديد. ففي مجمع "هويين" للحوسبة، تتقاطع احتياجات مراكز البيانات الضخمة مع إمكانات الطاقة المتجددة، بحيث يرتبط تشغيل الخوادم بإنتاج الكهرباء من الرياح والشمس. وفي منشآت أخرى، مثل مركز تشينهواي، تستخدم تقنيات التبريد السائل لرفع كفاءة استهلاك الطاقة وتقليل الهدر والاستفادة من الحرارة المنبعثة من الخوادم لإعادة تدفئة المباني والمدارس المجاورة بالمدينة في الشتاء.

وبذلك، لا تبدو الحوسبة والطاقة الخضراء في خبي مسارين منفصلين، وإنما وجهين لتحول اقتصادي واحد يستند إلى توسيع البنية الرقمية مع البحث في الوقت نفسه عن نماذج أكثر كفاءة وأقل كلفة بيئيا.

وفي حاضرة المقاطعة شيجياتشوانغ، ينتقل المشهد من مراكز البيانات إلى قلب المدينة والصناعة. فالمدينة، بما تمتلكه من قاعدة صناعية تشمل الأدوية والإلكترونيات والاتصالات والتصنيع، توسع اقتصادها عبر البحث والتطوير والابتكار، وبلغت نسبة الإنفاق على البحث والتطوير فيها 2.52 بالمئة في 2025.

لكن التحول الحضري لم يتوقف عند المصانع والمختبرات. فقد أعادت المدينة تشكيل أجزاء من نسيجها العمراني، من خلال إزالة أكثر من 35 مليون متر مربع من البناء العشوائي وتوسيع المساحات العامة، في محاولة لربط النمو الاقتصادي بتحسين البيئة الحضرية وجودة الحياة في إطار بناء عاصمة إقليمية حديثة وجميلة.

وبينما تتمتع المدينة بقاعدة صناعية قوية وتغطي قطاعاتها الصناعية 38 فئة من أصل 41 فئة في التصنيف الوطني للاقتصاد، تدخل صناعة الأدوية والطب الحيوي كامتداد طبيعي لهذا المسار. فمن معرض التخطيط الدولي للطب الحيوي إلى شركة "ييلينغ" للأدوية، يمكن تتبع الطريق من البحث والتطوير إلى الإنتاج، ومشاهدة محاولة إدخال الطب الصيني التقليدي، بما يحمله من تراكم تاريخي، في منظومة حديثة تعتمد على البحث العلمي والتصنيع والتكنولوجيا. ويضم القطاع خمس شركات دوائية بين أكبر مئة شركة دوائية في الصين، بما يعكس مكانة الصناعة الصحية داخل اقتصاد المقاطعة.

غير أن التحديث في خبي لا يتوقف عند المدن ومراكز التكنولوجيا. ففي قرية تايوانتشوانغ يظهر وجه آخر، من خلال بناء اقتصاد محلي يستطيع أن ينتج الدخل والخدمات في الوقت ذاته. وطورت القرية اقتصادا جماعيا متنوعا يجمع بين الزراعة ورعاية المسنين والسياحة وغيرها من الأنشطة، وبلغ دخلها الجماعي 33 مليون يوان عام 2025، بمتوسط دخل للفرد بلغ 35 ألف يوان. لكن الأهم أن عوائد هذا الاقتصاد لا تظهر في الدخل النقدي وحده، وإنما تعود إلى السكان في صورة خدمات ورعاية ووجبات لكبار السن ومزايا اجتماعية.

وتكشف تجربة خبي عامة عن معيار جوهري مفاده أن التنمية تقاس بمدى انعكاس أثرها في نسيج الحياة اليومية. فمدرسة قريبة، وخدمة صحية في المتناول، ووسيلة نقل، وسوق، ومساحة للرياضة، ووجبة ساخنة لكبير السن، كلها تفاصيل تبدو هامشية أمام مؤشرات الاقتصاد الكلي، لكنها تتحول إلى مقياس مباشر حين تصل ثمار التنمية إلى الناس.

وفي المناطق الجبلية والسياحية، تجلت في خبي طريقة أخرى للحفاظ على دورة التنمية. ففي تشونغلي، لم تنته قصة المنشآت التي استضافت دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين عام 2022 بانتهاء المنافسات، وإنما أعيد توظيفها لتصبح قاعدة للسياحة الرياضية والثقافية على مدار العام. وتتحول هناك البنية التحتية التي أنشئت من أجل الحدث العالمي إلى مورد اقتصادي مستمر، بدلا من أن تفقد وظيفتها بانتهاء الحدث الذي أنشئت من أجله.

والمثير في المقاطعة العريقة هو أن التاريخ لا يختفي تحت عجلة التحديث. ففي تشنغدينغ وشيجياتشوانغ وشيبايبو، أعيد إدخال الماضي في الحياة المعاصرة بلمسات جديدة ثقافيا وسياحيا.

في معبد لونغشينغ، يجري الحفاظ على التراث وفق مبدأ أقل تدخل ممكن تقنيا بالأدوات الحديثة، مع الاستفادة من أدوات التوثيق الرقمي، واعيد تقديم المواقع التاريخية بلمسات تقنية تحسن تجربة الزوار كفضاءات للثقافة والسياحة. وفي شارع وانليمياو، أعيد توظيف قيمة المكان من خلال الجمع بين التسوق والترفيه والثقافة والتراث المادي، ضمن نطاق تشغيلي يقارب 500 ألف متر مربع يضم 18 مرفقا تجاريا كبيرا، محققا ألقابا على مستوى وطني كشارع نموذجي في التراث والترفيه والتجارة. واستقبل الشارع 59.74 مليون زائر خلال النصف الأول من عام 2026، بمتوسط يومي تجاوز 330 ألف زائر.

أما في شيبايبو، فقد أخذ التاريخ وظيفة مختلفة. فالمكان الذي كان آخر مقر ريفي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني قبل انتقالها إلى بكين، تحول إلى فضاء للتاريخ والتعليم والسياحة، مع أكثر من 30 موقعا مفتوحا للزوار. ولم تقتصر هنا قيمة التراث في خبي على الحفاظ على المكان كما كان، وإنما امتد إلى إبقائه حاضرا في الحياة العامة، بوصفه جزءا من الذاكرة الثورية.

خلال أسبوع من الزيارات الميدانية في خبي، برفقة أكثر من ثلاثين صحفيا ومؤثرا صينيا ودوليا ضمن فعالية "استشعار السعادة في الصين" بدعوة من مجلس الدولة الصيني، بدت المقاطعة وكأنها لا تتحرك في مسار تنموي أحادي، ولا تضع التكنولوجيا في مواجهة البيئة أو المستقبل في تعارض مع الماضي، بل ما تشهده هو صياغة محكمة لمنظومة تنموية واحدة تضع الابتكار في خدمة الاقتصاد، والتكنولوجيا في خدمة الإنسان، والطاقة النظيفة في خدمة الاقتصاد الرقمي، والتراث في خدمة الهوية والسياحة.

وتشكل هذه المشاهد المتنوعة صورة أكثر اتساقا لما يعنيه التحديث الصيني النمط عندما ينتقل من المفهوم والسياسات إلى تجربة حية يلمس أثرها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.

 

ملاحظة المحرر: محمد مازن هو صحفي مصري مخضرم مقيم في الصين.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).■

الصور