من "فخ الموت" إلى أرض الأمل.. روح المسيرة الكبرى تنبض بالحياة في غربي مقاطعة سيتشوان الصينية
تشنغدو 17 أكتوبر 2026 (شينخوا) في المراعي الشاسعة بمقاطعة سيتشوان في جنوب غربي الصين، تعيش الشابة نغوركوك البالغة من العمر 25 عاما بين عالمين مختلفين، فهي تقود الطائرات المسيرة نهارا لتقديم خدمات التصوير الجوي للزوار، فيما تعود من حين إلى آخر، بصفتها بوذية متدينة، إلى دير بانيو في بلدة باشي لأداء الشعائر الدينية.
لا يعد دير بانيو ملاذا روحيا فحسب، بل هو أيضا معلم تاريخي بارز. ففي سبتمبر عام 1935، وخلال المسيرة الكبرى، عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني اجتماع باشي في هذا المكان الواقع في ولاية آبا ذاتية الحكم لقوميتي التبت وتشيانغ بغربي المقاطعة، حيث اتُخذ القرار الاستراتيجي بمواصلة التقدم شمالا.
في الماضي، حوّل البرد القارس والهواء الرقيق والمستنقعات الوعرة والطقس المتقلب مراعي غربي سيتشوان إلى إحدى أشق المراحل على المسيرة الكبرى. إلا أن التطور الكبير الذي شهدته البنية التحتية الحديثة للنقل في هذه الأراضي العشبية الوعرة بات اليوم من أبرز مظاهر التغيير.
قبل عام 1949، لم يكن في آبا أي طرق حديثة، إلا أن ذلك الوضع بدأ بالتغير في أوائل خمسينيات القرن الماضي حيث بدأ شقّ الطرق السريعة، ليتوالى لاحقا بناء المطارات والطرق السريعة الحديثة والسكك الحديد.
تتذكر نغوركوك أن نقل البضائع المحلية في طفولتها كان يعتمد على الخيول والياك، قبل أن تُستبدل لاحقا بالشاحنات. أما اليوم، فقد أصبح توصيل البضائع بالطائرات المسيرة أمرا شائعا على نحو متزايد في ولاية آبا التي يتراوح متوسط ارتفاعها عن سطح البحر ما بين 3500 و4000 متر.
ويبرز التباين بين الماضي والحاضر بشكل صارخ. فقد عبر الجيش الأحمر أراضي عشبية وعرة ومستنقعية تفتقر إلى الأكسجين، ما أودى بحياة الكثيرين وقتها. أما اليوم، فالرحلة من غربي مقاطعة سيتشوان إلى مقاطعة قانسو المجاورة، التي كانت في السابق تستغرق أشهرا للجندي خلال المسيرة الكبرى، يمكن إتمامها في يوم واحد أو حتى في بضع ساعات بفضل الطرق السريعة والسكك الحديد، فيما تنتشر محطات الوقود ومرافق شحن السيارات الكهربائية في جميع أنحاء الولاية، وتنقل الشاحنات البضائع من جميع أنحاء البلاد، كما ظهرت متاجر لعلامات تجارية عالمية مثل "ستاربكس" و "آبل" في المحافظات المحلية.
وبعد أن كانت تُعرف بـ"فخ الموت"، أصبحت الجبال الثلجية والأراضي العشبية اليوم محركا رئيسيا للسياحة بفضل بيئتها الطبيعية الفريدة وتاريخها العريق.
وفي هذا السياق، قالت خه يويه التي تعمل مرشدة سياحية في حديقة نصب المسيرة الكبرى للجيش الأحمر في محافظة سونغبان بالولاية، إن عدد زوار الحديقة بلغ 366.7 ألف زائر في عام 2025، بزيادة نسبتها 52.4 في المائة مقارنة بالعام الأسبق، مضيفة أن الكثيرين يأتون للإشادة بإرث الجيش الأحمر وتتبع مسار المسيرة الكبرى، بمن فيهم أحفاد المحاربين القدامى الذين شاركوا في تلك المسيرة وشباب يتوقون للتعرف على المزيد عنها.
وبالانتقال إلى محافظة شياوجين بالولاية، تقود تشن وانغ هوي جهود تطوير صناعة الورود المحلية. وفي منطقة جبلية مرتفعة ذات تربة فقيرة، استلهمت فكرة زراعة الورود من ملاحظتها أن الحيوانات البرية التي تتلف المحاصيل الزراعية تتجنب الورود الشائكة. وبعد أن أدركت قيمتها السوقية، سافرت تشن على نفقتها الخاصة إلى مناطق مختلفة لاختيار أصناف تتحمل البرد والجفاف. ولم تتراجع أمام تقلبات السوق، بل اشترت الزهور من المزارعين بأسعار أعلى من أسعار السوق للحفاظ على ثقتهم، وباعت ممتلكات خاصة لتوسيع أنشطة المعالجة العميقة.
وقالت تشن إن روح المسيرة الكبرى كانت مصدر إلهام لها في مواجهة الصعوبات، فكلما واجهت مشقة تذكرت كيف اجتاز جنود الجيش الأحمر الجبال الثلجية والأراضي العشبية خلال المسيرة، فتشحذ نفسها بمزيد من الشجاعة لمواصلة المثابرة وراء حلمها.
وقادت تشن السكان المحليين إلى بناء سلسلة صناعية متكاملة تشمل زراعة الورود ومعالجتها وتسويقها والسياحة المرتبطة بها، حيث يتجاوز الإنتاج السنوي من الورود النضرة ألفي طن، فيما يشارك أكثر من 10 آلاف مزارع من 46 قرية بالمحافظة في زراعتها، ما ساهم في زيادة متوسط الدخل السنوي لكل أسرة مشاركة بأكثر من 6000 يوان (حوالي 893 دولار أمريكي).
لم تكتف المسيرة الكبرى، وهي رحلة عسكرية ملحمية امتدت لنحو 12500 كيلومتر وبدأت عام 1934، بالحفاظ على القوى الثورية فحسب، بل منحت الحزب الشيوعي الصيني موطئ قدم جديدا لتعزيز قوة الثورة، وشكلت نقطة انطلاق جديدة للمضي بالثورة قدما نحو النصر. وقد أصبحت هذه المسيرة منذ ذلك الحين واحدة من الفصول الحاسمة في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني ورمزا خالدا لما يعرف بـ"روح المسيرة الكبرى".
وخلال تلك الرحلة الشاقة، انطلق الجيش الأحمر المركزي بـ86 ألف جندي، لم يصل منهم إلى القاعدة الثورية في شمال غربي الصين سوى نحو 7 آلاف جندي، ما يعني أن واحدا فقط من كل 12 جنديا تقريبا نجا ليشهد لحظة النصر.
وعلى امتداد المسيرة، عبر الجيش الأحمر قرابة 100 نهر، واجتاز مساحات شاسعة من الأراضي العشبية التي كانت تعرف بـ"فخ الموت"، وتسلق أكثر من 40 جبلا، من بينها أكثر من 20 جبلا تغطيها الثلوج وترتفع لأكثر من 4000 متر.







