(وسائط متعددة) رسالة من الشرق الأوسط: عازفة تشيلو من غزة تتمسك بالموسيقى رغم الحرب والنزوح

(وسائط متعددة) رسالة من الشرق الأوسط: عازفة تشيلو من غزة تتمسك بالموسيقى رغم الحرب والنزوح

2026-10-22 02:31:15|xhnews
الفنانة الفلسطينية،هيفاء بسام أبو شمالة، تؤلف قطعة موسيقية في مقر إقامتها بمدينة غزة، يوم 4 أكتوبر 2026. (شينخوا)

بقلم هيفا بسام أبو شملة

غزة 21 أكتوبر 2026 (شينخوا) على شاطئ غزة، أضع القوس على أوتار آلة التشيلو التي نجت من قصف منزلنا، وأبدأ العزف رغم الندوب التي خلفتها الحرب على هيكلها الخشبي، وكأنها ترفض أن يكون الدمار نهاية حكايتها.

لا أريد أن يعرفني العالم من خلال أرقام القتلى وصور الدمار، أو أن يراني مجرد عازفة تحمل آلتها وسط الأنقاض، أنا هيفاء بسام أبو شمالة، شابة من غزة أبلغ 22 عاما، وعازفة تشيلو ومصممة بصرية، تخرجت في جامعة الأزهر بغزة، حيث درست تكنولوجيا المعلومات وعلوم الحاسوب.

وكحال آلاف الشبان والشابات في عمري، أمضيت سنوات في التعلم وبناء أحلامي واكتشاف ما أحب وما أطمح إلى تحقيقه في الحياة، ووجدت في الفن والموسيقى مساحة للتعبير عن نفسي وصنع عالمي الخاص، بعيدا عن قسوة الواقع.

وعلى الرغم من قرابة ثلاث سنوات من الحرب وما حملته من دمار وفقدان، أشعر بالفخر لأنني ما زلت أتمسك بشغفي بالموسيقى وأواصل العزف، فأنا واحدة من عدد قليل من عازفي التشيلو الذين ما زالوا يمارسون العزف في القطاع.

وبالنسبة إليّ، لا يعني ذلك مجرد الاستمرار في ممارسة هوايتي، بل التمسك بجزء أساسي من هويتي وحياتي، رغم كل ما حاولت الحرب انتزاعه مني.

لطالما كانت الموسيقى جزءا من علاقتي بغزة؛ فهي ليست مجرد المكان الذي ولدت ونشأت فيه، بل موطني الذي يحتضن ذكرياتي وتفاصيل حياتي.

أعلم أن كثيرين، حين يفكرون في غزة، تستحضر أذهانهم مشاهد الدمار وأصوات القصف وبكاء الأطفال وفقدان الأحبة، لكنني، وسط كل ذلك، ما زلت أسمع أمواج البحر الأبيض المتوسط، وأجد في امتزاج صوتها بنغمات التشيلو ما يعيدني إلى غزة التي أحبها، غزة التي لا تختصرها الحرب، ولا تمحو آلامها ما فيها من حياة وأحلام.

بدأت رحلتي مع الموسيقى عندما كنت في الحادية عشرة من عمري، حين التحقت بمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى في غزة عام 2015، ومنذ ذلك الحين، أصبحت آلة التشيلو وسيلتي للتعبير عن مشاعر تعجز الكلمات أحيانا عن وصفها، ورفيقة دربي في مراحل مختلفة من حياتي.

لكن الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 قلبت حياتي رأسا على عقب، واضطررت بسببها إلى الابتعاد عن عالمي الموسيقي.

عندما نزحت عائلتي، لم تتسع السيارة إلا لبعض الملابس والأغطية والاحتياجات الأساسية، فلم يكن هناك مكان لآلة التشيلو، ما اضطرني إلى تركها في المنزل، على أمل أن أعود إليها يوما ما.

وبعد 49 يوما من نزوحنا، قُصف منزلنا الذي أمضت عائلتي أكثر من عشر سنوات في بنائه وتجديده، لكنها لم تنعم بالعيش فيه سوى أقل من عامين قبل أن تفقده.

عاد والدي، وهو مهندس ميكانيكي، ليرى ما إذا كان بالإمكان إصلاح شيء مما تبقى. أتذكره وهو يبكي أمام المنزل الذي أمضى سنوات في بنائه، قائلا "عشر سنوات من العمل الشاق ضاعت، كل هذا الجهد والتعب، وكل السنوات التي أمضيناها في محاولة بناء شيء خاص بنا... ذهب كل شيء".

وبعد نحو عام، خلال الهدنة في بداية عام 2025، تمكنت أخيرا من العودة إلى منزلنا، كان المكان الذي احتضن حياتنا وذكرياتنا قد تغير تماما؛ جدرانه محترقة ومشوّهة، وغرفه التي عشنا فيها وضحكنا وصنعنا فيها ذكرياتنا أصبحت فارغة ومكشوفة.

وسط هذا الخراب، وجدت آلة التشيلو الخاصة بي.

كانت متضررة بشدة؛ فقد ذاب الغراء الذي يربط أجزاءها الخشبية، وتحطم لوحها الصوتي، ومع ذلك، قررت إصلاحها، ودفعت نحو 200 دولار أمريكي مقابل ذلك، وهو مبلغ كبير في غزة، حيث يصعب الحصول على كثير من الاحتياجات الأساسية.

لم أشعر بأنني أنفق المال على مجرد آلة موسيقية، بل كنت أحاول استعادة جزء من حياتي السابقة. وعندما حملتها بعد إصلاحها، شعرت بفرح يصعب وصفه. لم تعد إلى حالتها الأصلية، لكنها استعادت صوتها، وشعرت بأنني استعدت معها جزءا من نفسي.

كلما نظرت إلى آثار الضرر على هيكلها الخشبي، تذكرت ما حدث لغزة، فالآلة التي أحبها تحمل ندوبها، تماما كما تحمل المدينة آثار الحرب.

ووفقا لتقييم أممي استند إلى صور الأقمار الصناعية، تضرر نحو 200 ألف مبنى في القطاع، أي ما يقارب 82 في المئة من إجمالي المباني.

لكن إصلاح التشيلو لم يكن نهاية معاناتي معها، فبعد بضعة أشهر من عودتي إلى المنزل، اضطررنا إلى النزوح مجددا، وتركت آلتي خلفي مرة أخرى، وتكرر الأمر مع موجات النزوح اللاحقة؛ إذ كنا نغادر على عجل، ونحمل ما نستطيع، ونترك وراءنا أشياء لم نكن نعرف إن كنا سنراها مجددا.

في نزوحنا الأخير، تمكنت أخيرا من اصطحابها معي. أردت أن تبقى إلى جانبي، وأن تحتفظ لي برابط مع حياتي قبل الحرب، وتذكرني بأنني لست مجرد إنسانة تحاول النجاة من يوم إلى آخر.

ومع تزايد أعداد العائلات النازحة على شاطئ غزة، بدأت أحمل آلتي إلى هناك وأعزف وسط الخيام والوجوه المتعبة، كنت أختار مقطوعات تعبّر عن الحزن والخوف والفقد، لكنها تترك أيضا مساحة للأمل.

ومن بين المقطوعات التي عزفتها موسيقى جون ويليامز لفيلم "قائمة شندلر" (Schindler's List)، المرتبط بمأساة تاريخية أخرى.

عندما عزفتها في غزة، شعرت بأن الموسيقى قادرة على التعبير عن الألم الإنساني، مهما اختلفت الأزمنة والأماكن، وأن بعض المشاعر لا تحتاج إلى كلمات كي تصل إلى الآخرين.

ومع ذلك، لا تزال حياتنا صعبة رغم الإعلان عن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، فقد انخفضت وتيرة القصف، لكنه لم يتوقف، ولا يزال الحصول على كثير من الاحتياجات أمرا صعبا بسبب القيود المفروضة على دخول البضائع والمستلزمات إلى القطاع.

ولا تقتصر هذه الصعوبات على الغذاء والدواء، بل تشمل أيضا احتياجات الموسيقيين، مثل أوتار التشيلو ومادة القلفونية، وهي مادة صمغية تُفرك بها شعيرات القوس لمساعدته على الاحتكاك بالأوتار وإصدار النغمات، فضلا عن قطع الغيار اللازمة لإصلاح الآلات الموسيقية.

وقد تبدو هذه التفاصيل ثانوية في ظل الاحتياجات الإنسانية الملحّة، لكنها بالنسبة إليّ ضرورية لمواصلة عملي والحفاظ على صلتي بالموسيقى.

أصبحت آلة التشيلو التي أصلحتها أكثر من مجرد آلة موسيقية؛ فهي رابط بحياتي السابقة، وشيء أستطيع الاحتفاظ به وسط كل هذا الفقدان. لكن موقفا واحدا جعلني أفكر بعمق في معناها، وفي الفرق بين ما تمثله لي وما قد تعنيه لشخص آخر يعيش الظروف نفسها.

في أحد الأيام، رأى طفل يقيم في مخيم للنازحين آلة التشيلو التي أحملها. لم يكن قد رأى آلة كهذه من قبل. وعندما علم أنها مصنوعة من الخشب، سألني إن كان بإمكاني إعطاءها له، حتى تستخدمها عائلته وقودا للطهي أو لتسخين المياه.

لم أنس سؤاله.

بالنسبة إليّ، تحمل الآلة ذكرياتي وشغفي بالموسيقى، وهي جزء من هويتي. أما ذلك الطفل، الذي يعيش ظروفا تجعله يفكر في كيفية توفير الوقود لعائلته، فقد رأى فيها شيئا يمكن أن يساعدهم على تلبية حاجة أساسية.

لم يكن الطفل مخطئا؛ ففي واقع يضطر فيه الناس إلى البحث عن الطعام والوقود، تصبح الاحتياجات الأساسية أولوية لا يمكن تجاهلها، وقد يفقد كثير من الأشياء قيمتها أمام متطلبات البقاء.

كشف لي سؤاله حجم الفجوة بين عالمي كفنانة والواقع الذي نعيشه في غزة. فما أراه تعبيرا عن نفسي وذاكرتي، قد يراه شخص آخر وسيلة لتأمين احتياجات عائلته.

ومع ذلك، لم يجعلني هذا الموقف أفقد إيماني بأهمية الفن، بل زادني تمسكا به. فالحرب لا تدمر المنازل والشوارع فحسب، بل تهدد أيضا قدرة الناس على الحلم، حين تستنزف الاحتياجات اليومية كل طاقتهم.

ولهذا أؤمن بأن مواصلة الإبداع ليست ترفا، بل وسيلة للحفاظ على جزء من إنسانيتنا، والتعبير عن جوانب من حياتنا لا تستطيع الحرب محوها.

لذلك، أسست فرقة "ما وراء غزة"، وهي مجموعة فنية تضم شابات من القطاع، نعمل من خلالها بالموسيقى والفنون البصرية والأداء على تقديم صورة عن أنفسنا تتجاوز الحرب والخسارة، وتُظهر أن هويتنا لا تختصر في المعاناة.

نحن شابات لديهن أحلام وطموحات، ونواصل الإبداع لأننا نؤمن بأن لنا حياة ومستقبلا يتجاوزان ما تفرضه الحرب علينا.

لا أعرف متى سأقف مجددا على مسرح أمام جمهور جاء ليستمع إلى الموسيقى ويحتفي بالحياة، لكنني سأواصل العزف ما استطعت.

وحتى ذلك الحين، سأبقى على شاطئ غزة أعزف، آملة أن يسمع العالم في نغماتي أحلامنا وهوياتنا، لا معاناتنا وحدها. فالموسيقى لا تعيد منزلي، لكنها تذكّرني بأن حياتي أكبر من الحرب.■

الصور