(وسائط متعددة) تحقيق اخباري: بعد العودة إلى عفرين.. مزارعون سوريون يخوضون معركة استعادة أرزاقهم بزراعة الزيتون
حلب 25 أكتوبر 2026 (شينخوا) في مشهد غاب لسنوات عن أهالي منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي، عاد موسم قطاف الزيتون ليحمل أجواء من الفرح والأمل، مع عودة المزارعين إلى أراضيهم وبساتينهم بعد سنوات من النزوح، رغم استمرار التحديات الاقتصادية التي تعيق تعافي القطاع الزراعي.
ويصعد المزارعون السلالم الخشبية لجني ثمار الزيتون من الأشجار الممتدة فوق أراضٍ صخرية ذات لون بني محمر، بينما يفرز آخرون الثمار المقطوفة حديثا على أغطية مفروشة تحت الأغصان، في مشهد يعكس استئناف النشاط الزراعي في المنطقة.
وبالنسبة للمزارع أوراي عارف ناصو، فلا يمثل موسم الحصاد مجرد موسم زراعي آخر، بل محطة في كفاحه لإعادة بناء مصدر رزقه الذي تضرر جراء سنوات النزوح.
وعاد ناصو من محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا قبل نحو 10 أشهر، ليجد أشجار الزيتون التي تمتلكها عائلته لا تزال قائمة، لكن حالتها تراجعت بسبب افتقارها إلى الرعاية الكافية طوال سنوات غيابه.
وقال ناصو لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن أهالي عفرين يشعرون بسعادة غامرة لعودتهم إلى أرضهم وأشجار الزيتون الخاصة بهم، مشيرا إلى الأهمية الكبيرة التي يحظى بها الزيتون لدى سكان المنطقة لاعتماد سبل عيشهم عليه.
وشهدت منطقة عفرين، ذات الغالبية الكردية في شمال محافظة حلب، موجات نزوح واسعة خلال الصراع الطويل في سوريا، لا سيما بعد تصاعد القتال عام 2018. وانفصلت عائلات زراعية عديدة عن أراضيها لسنوات، ما ترك بساتينها دون رعاية منتظمة أو تحت تصرف آخرين.
ولم تكن العودة إلى الديار بالنسبة لناصو سوى البداية، إذ واجه صعوبة في استعادة صحة الأشجار في ظل ارتفاع تكاليف الوقود، ولا سيما الديزل، والأسمدة وغيرها من المستلزمات الزراعية، ما يفرض ضغوطا كبيرة على موارده المحدودة.
وأضاف ناصو أن العائلة واصلت العناية بالأشجار منذ عودتها، لكنها لا تستطيع منحها مستوى الاهتمام نفسه الذي كانت تحظى به في السابق.
وتعكس تجربة ناصو التحديات التي يواجهها المزارعون العائدون في مختلف أنحاء عفرين، حيث أعادت عودة النشاط الزراعي الأمل في التعافي، فيما لا تزال الصعوبات الاقتصادية تعرقل استعادة الإنتاج بصورة كاملة.
من جانبه، قال عبد الرحمن أيبو، وهو مهندس زراعي ومزارع زيتون، إن كثيرا من ملاك الأراضي النازحين اعتمدوا على أقاربهم في رعاية بساتينهم، بينما فقد آخرون القدرة على الوصول إلى ممتلكاتهم تماما خلال سنوات الصراع.
وأوضح أيبو أن بعض المزارعين كانوا يحصلون في البداية على كميات صغيرة من زيت الزيتون المنتج في أراضيهم، لكنهم توقفوا في نهاية المطاف عن الاستفادة من المحاصيل كليا.
وأتاحت عودة هؤلاء المزارعين لهم استئناف العناية المباشرة بأشجارهم، إلا أن سنوات الإهمال ومحدودية الموارد لا تزالان تشكلان عقبتين رئيسيتين أمامهم.
وأشار أيبو إلى أن كثيرا من المزارعين لا يملكون القدرة المالية على شراء كميات كافية من الأسمدة، فيما اضطر بعضهم إلى الاستعانة بعمال من خارج عفرين بسبب نقص الأيدي العاملة خلال موسم الحصاد.
ورغم هذه الصعوبات، أظهر إنتاج الزيتون في محافظة حلب بوادر تعافٍ، إذ تشير التقديرات الأولية إلى ارتفاع الإنتاج خلال الموسم الحالي مقارنة بالعام الماضي.
وقال إلياس سمعان، رئيس قسم الزيتون في حلب، إن إنتاج المحافظة من ثمار الزيتون يُتوقع أن يبلغ نحو 225 ألف طن هذا الموسم، مقابل 198 ألف طن العام الماضي، بزيادة تقارب 14 بالمئة.
وعزا سمعان هذا التحسن بصورة رئيسية إلى تحسن معدلات هطول الأمطار، رغم استمرار تأثيرات الجفاف الذي شهدته المنطقة العام الماضي على الإنتاجية.
وأضاف أن منطقة عفرين تسهم بنحو 48 بالمئة من إجمالي إنتاج الزيتون في محافظة حلب، ما يبرز أهميتها للاقتصاد الزراعي في المحافظة.
وأشار سمعان إلى أن عودة ملاك الأراضي أسهمت في إحياء زراعة الزيتون وتشغيل المعاصر، إلا أن نقص مياه الري وارتفاع تكاليف المستلزمات الزراعية لا يزالان يمثلان تحديين كبيرين أمام المزارعين.
لكن تحسن الإنتاج لم يبدد جميع المخاوف، إذ يواجه المزارعون تحديا آخر يتمثل في انخفاض أسعار زيت الزيتون، ما يقلص عوائدهم رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وقال ناصو إن سعر صفيحة زيت الزيتون يتراوح هذا الموسم بين 50 و60 دولارا أمريكيا، في حين بلغ في سنوات سابقة 100 دولار أو أكثر.
وأدى تراجع الأسعار إلى انخفاض أرباح المزارعين في وقت لا تزال فيه تكاليف الوقود والأسمدة والأيدي العاملة مرتفعة.
وأضاف ناصو أن دفع الأجور اليومية للعمال أصبح أمرا صعبا أيضا.
من جانبه، أعرب أيبو عن أمله في أن يسهم تحسن الظروف الاقتصادية وتوفير مزيد من الدعم للمزارعين في استعادة الإنتاجية الزراعية في المنطقة.
أما بالنسبة لناصو، فيظل الهدف أكثر ارتباطا بأرض عائلته وأشجارها، إذ يسعى إلى إعادتها إلى الحالة التي كانت عليها قبل نزوحه.
وقال ناصو لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن أمنية العائلة هي أن تنمو أشجار الزيتون مجددا وتعود إلى حالتها السابقة، مؤكدا أن المزارعين يعرفون كيفية العناية بأرضهم، لكنهم يحتاجون إلى الدعم حتى يتمكنوا من مواصلة ذلك.■








