مقالة خاصة: جنوب لبنان..حين لم تعد المنازل ملاذاً آمناً من المسيّرات الإسرائيلية

مقالة خاصة: جنوب لبنان..حين لم تعد المنازل ملاذاً آمناً من المسيّرات الإسرائيلية

2026-11-07 06:09:36|xhnews

مرجعيون، جنوب لبنان 6 نوفمبر 2026 (شينخوا) لم تعد الحرب في جنوب لبنان تقتصر على الغارات الجوية والقصف المدفعي وعمليات التمشيط التي طالت القرى والبلدات، بل امتدت إلى داخل المنازل، مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي تجاوز بعضها مهام المراقبة والاستطلاع، لتقتحم البيوت وتحلّق بين الغرف والنوافذ قبل أن ينفجر بعضها.

وأكدت مصادر في مخابرات الجيش اللبناني والدفاع المدني اللبناني والهيئة الصحية الإسلامية، لوكالة أنباء ((شينخوا))، أن المسيّرات التي تحلّق فوق المنازل وتدخل إليها في جنوب لبنان هي مسيّرات إسرائيلية، مشيرة إلى ما تسببه تحركاتها من مخاطر مباشرة على السكان وممتلكاتهم.

وبموازاة هذه الحوادث، التقط عدد من سكان القرى الحدودية صورا ومقاطع فيديو لمسيّرات إسرائيلية كانت تحلّق على ارتفاعات منخفضة فوق منازلهم، فيما وثّقت بعض التسجيلات اقترابها من المنازل ودخولها إلى شرفاتها، في مشاهد عكست حجم التهديد الذي بات يطاول الحياة اليومية للسكان.

وفي ظل هذا التطور، وجد السكان أنفسهم أمام شكل جديد من التهديد، لم تعد المنازل معه توفر الحماية، ولا بقيت الحياة اليومية بمنأى عن المراقبة والخطر، فيما تحولت السماء إلى عين مفتوحة تلاحق تحركاتهم أينما ذهبوا.

وعلى ركام منزل جدّها في بلدة ميفدون التابعة لقضاء النبطية، تستعيد زينب مقلد، ذات الأعوام العشرة، لحظات الرعب التي عاشتها عندما اقتحمت مسيّرة إسرائيلية متفجرة المنزل الذي كانت تلعب في باحته مع شقيقها.

وأشارت زينب لوكالة أنباء ((شينخوا)) إلى أنها فوجئت بمسيّرة تتقدم نحوهما (هي وشقيقها)، فسارعت إلى الهرب قبل أن تنفجر وتتطاير الحجارة باتجاههما.

وقالت "تركت تلك اللحظات في ذاكرتي مشهداً مخيفاً، بعدما تحولت مساحة اللعب التي اعتدت أن أشعر فيها بالأمان إلى مكان يهدد حياتي وحياة شقيقي".

ولم تكن حادثة زينب الوحيدة في البلدة، إذ شهد منزل يعود لعائلة من آل ملي واقعة مماثلة كادت أن تتحول إلى مأساة، بعدما اقتحمت مسيّرة إسرائيلية المنزل وعبرت إلى داخله قبل أن تخرج إلى الشرفة وتنفجر في ساحته.

وأوضح علي ملي، أحد أفراد العائلة، لـ((شينخوا)) أن المنزل شهد، قبل نحو ساعتين من الانفجار، تجمعاً لنساء الحي والأطفال الذين اعتادوا الاجتماع واللعب فيه، مشيراً إلى أن غيابهم عن المكان لحظة الانفجار جنّب العائلات كارثة محتملة.

وأضاف أن مسيّرة إسرائيلية أخرى دخلت منزله أثناء نوم أفراد عائلته، وأخذت تنتقل بين الغرف والنوافذ وتحلّق فوق تجهيزات الإنترنت، ما أثار حالة من الخوف والارتباك بين أفراد الأسرة.

وأكد أن البلدة شهدت خلال ثلاثة أيام تفجير سبع مسيّرات، لافتاً إلى أن الأهالي كانوا قد اعتادوا القصف المدفعي والغارات الجوية والتمشيط، قبل أن يضاف إلى معاناتهم خطر جديد بات يلاحقهم حتى داخل غرف منازلهم وممراتها.

وتتزامن هذه الشهادات مع حوادث وثّقتها ((الوكالة الوطنية للإعلام)) اللبنانية الرسمية في عدد من البلدات الجنوبية، إذ أفادت في 31 أكتوبر الماضي بانفجار مسيّرتين إسرائيليتين داخل منزلين مأهولين في بلدة ميفدون، كما نقلت في 21 سبتمبر الماضي خبر انفجار مسيّرة إسرائيلية على سطح منزل في أطراف البلدة نفسها، عقب تحليقها فوقها، كما سبق للوكالة أن نشرت تقارير تفيد أن مسيّرات إسرائيلية تلقي عبوات وأجساماً متفجرة على منازل ومناطق سكنية في جنوب لبنان، في حوادث أضافت إلى مخاوف السكان من تحوّل المسيّرات من وسائل للمراقبة إلى أدوات للاستهداف والتفجير.

وتعكس هذه الوقائع تحولاً في طبيعة التهديد الذي يواجه سكان الجنوب، إذ لم تعد المنازل بمنأى عن العمليات العسكرية، ولم تعد الجدران والنوافذ توفر الحماية التي اعتادها الأهالي حيث باتت المسيّرات الإسرائيلية قادرة على الوصول إلى المساحات السكنية، فيما تواصل أخرى مراقبة تحركات السكان بصورة متواصلة.

ومن جهتها، قالت نهى فاعور، وهي خمسينية، إن تكثيف تحليق المسيّرات الإسرائيلية فوق القرى الجنوبية القريبة من الخط الأصفر، ولا سيما في مناطق النبطية وصور ومرجعيون، تجاوز حدود المراقبة العسكرية، وأوجد حالة دائمة من الخوف وانعدام الاطمئنان.

وأشارت لـ((شينخوا)) إلى أن السكان شعروا بأنهم مراقبون أينما توجهوا، حتى داخل غرف نومهم، الأمر الذي مسّ خصوصيتهم وأثر في تفاصيل حياتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية.

وامتد هذا الخطر إلى مدينة النبطية، حيث تحدث سالم عبد الله عن دخول المسيّرات الإسرائيلية في أدق تفاصيل الحياة العائلية، حتى جلسات الأهل وأوقات احتساء الشاي.

وقال إن المسيّرات تراقب تحركات المواطنين وتتجول فوق المنازل، ولم تقتصر مراقبتها على الشوارع والأحياء، بل طالت أسطح الأبنية وخزانات المياه وأطباق استقبال البث التلفزيوني والإنترنت، ما جعل السكان يشعرون بأنهم لم يعودوا يمتلكون مساحة خاصة بعيداً عن أعين المراقبة.

وفي بلدة زوطر الغربية، التي واجهت بدورها غارات جوية وقصفاً مدفعياً وهجمات بالمسيّرات، بدا المشهد أكثر تعقيداً، إذ وجد عدد قليل من السكان الذين عادوا إلى منازلهم أنفسهم أمام واقع أمني لم يسمح لهم باستعادة حياتهم الطبيعية، بحسب ما أوضحته الفتاة العشرينية غنوة الحاج لـ((شينخوا)).

وأضافت أن الأهالي، رغم المخاطر المتواصلة، يتمسكون بأرضهم ومنازلهم، ويرفضون أن تتحول الاعتداءات إلى سبب يدفعهم إلى مغادرة البلدة.

وقال الشاب الجامعي جمال درويش لـ((شينخوا)) إن القصف المدفعي والمسيّرات الإسرائيلية، بما فيها المتفجرة، لم تكن لتدفعهم إلى ترك بلدتهم، مؤكداً أن تمسكهم بأرضهم كان أقوى من محاولات التخويف والتهجير.

وأضاف أن تأثير هذه المراقبة بلغ حداً جعل بعض السكان يترددون في استقبال زوار جدد، خشية أن تكون تحركاتهم مرصودة. كما لم تكن محاولة إسقاط المسيّرات خياراً سهلاً بالنسبة إليهم، بسبب مخاوفهم من التعرض لاستهداف مباشر من قناصة يراقبون المنطقة.

وعلى أنقاض ما تبقى من منزله في زوطر الغربية، أمضى عباس ياغي معظم ساعات نهاره، فيما ظلت المسيّرات الإسرائيلية حاضرة في سماء البلدة.

وقال ياغي لـ((شينخوا)) إن الأهالي اعتادوا تدريجياً أصواتها ومشاهدها بعدما كانت تثير خوفاً كبيراً في بداية ظهورها، إلا أن هذا الاعتياد لا يعني تقبل وجودها أو زوال القلق من مخاطرها.

وأوضح أن السكان لم يعودوا يتوقفون عند كل مسيّرة تحلّق فوقهم، لكن شعورهم بأنهم مراقبون حتى داخل منازلهم ظل مصدراً للإزعاج وانتهاك الخصوصية، خصوصاً أن المسيّرة الإسرائيلية التي تحلّق للمراقبة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى وسيلة للتفجير والاستهداف.

وبين المسيّرات الإسرائيلية التي ترصد تحركاتهم وتلك التي تقتحم بيوتهم وتفجّر نفسها فيها، وجد سكان الجنوب أنفسهم أمام واقع أمني ونفسي مختلف، طال خصوصيتهم وشعورهم بالأمان واستقرار حياتهم اليومية.

ولم تعد الحرب في جنوب لبنان محصورة في مواقع المواجهة، بل تسللت إلى المنازل والنوافذ والساحات، وحوّلت السماء إلى عين مفتوحة لا تغيب، فيما يعيش السكان تحت تهديد قد يبدأ بصوت مسيّرة إسرائيلية في الأجواء، وينتهي بانفجار داخل غرفة أو باحة منزل.

وكانت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، أعلنت أمس (الخميس)، أنها ستبدأ تقليص عديدها والانسحاب من البلاد بعد انتهاء ولايتها في 31 ديسمبر 2026، وذلك وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790 لعام 2025.

وقالت اليونيفيل، عبر منصة ((إكس))، إن قوات حفظ السلام التابعة لها، والمنتشرة من 45 دولة، ستواصل حتى انتهاء ولايتها تنفيذ عملياتها اليومية في مختلف أنحاء جنوب لبنان، بما يشمل رصد التطورات والإبلاغ عنها، والتواصل مع الأطراف المعنية، ودعم القوات المسلحة اللبنانية، وتسهيل المهام الإنسانية.

ويأتي هذا الإعلان في وقت دعا فيه الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ومسؤولون آخرون، المجتمع الدولي إلى الإبقاء على وجود اليونيفيل، محذرين من احتمال حدوث فجوات أمنية في جنوب لبنان عقب انسحابها.

وتعمل اليونيفيل في جنوب لبنان منذ عام 1978. وقد مُدّدت ولايتها للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر 2026 بموجب القرار 2790، الذي اعتمده مجلس الأمن في أغسطس 2025.

وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، قام بجولة في 20 أكتوبر الماضي إلى جنوب لبنان، برفقة وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد، شملت زوطر الغربية وثكنة بنوا بركات في مدينة صور، حيث التقى قائد قطاع جنوب الليطاني في الجيش اللبناني العميد نقولا تابت وعدداً من كبار الضباط، وفق ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية.

وقال فهمي إن زيارته إلى الجنوب تحمل رسالة واضحة مفادها أن العالم العربي، إلى جانب المجتمع الدولي، يدرك حجم المعاناة التي يتعرض لها السكان، مؤكدا الاستعداد للوقوف إلى جانب لبنان من خلال خطوات إيجابية وملموسة.

وتأتي الجولة في ظل استمرار التحديات الأمنية والإنسانية في جنوب لبنان، وما خلفته العمليات العسكرية الإسرائيلية من أضرار ونزوح، وسط دعوات إلى تكثيف الدعم العربي والدولي وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة. 

الصور