تحقيق إخباري: شارع المتنبي يتحول إلى منبر ثقافي وإعلامي وسياسي واجتماعي وسط بغداد
بغداد 2 أكتوبر 2018 (شينخوا) تحول شارع المتنبي الشهير وسط العاصمة العراقية بغداد خاصة أيام الجمع إلى منبر حر يشهد اقامة التظاهرات والاحتجاجات، فضلا عن كونه منبر ثقافي وسياسي تعقد فيه الندوات الفكرية والثقافية والسياسية، بالاضافة إلى تنفيذ حملات خيرية، ونشاطات اجتماعية متنوعة.
ويطلق العراقيون على شارع المتنبي الذي يطل على الجهة الشرقية لنهر دجلة والمتخصص في بيع الكتب أسماء مختلفة منها، شارع الثقافة، سوق عكاظ العراق، شارع الكتب، رئة بغداد الثقافية، شارع القراءة، ملتقى المثقفين، قلب بغداد النابض بالثقافة والفن والتراث، هايد بارك العراق.
يزوره أيام الجمع رواد الثقافة ومحبي القراءة من كافة أحياء بغداد والمحافظات القريبة منها، حيث المكتبات القديمة التي تحتوي على كتب نادرة سواء من حيث القدم أو المحتوى، فيما ينشر العديد من الباعة على جانبي الشارع كتبهم، حيث يتفحص زوار الشارع هذه الكتب وعناوينها المختلفة واقتناء ما يعجبهم من مختلف العلوم والمعارف.
ويعود تاريخ هذا الشارع إلى العصر العباسي في القرن التاسع عندما كان مكانا للتأليف والترجمة، وفي بداية القرن العشرين، أخذ الشارع يزدهر وراج فيه بيع الكتب والتبادل الثقافي بين رواده، اطلق عليه العام 1932 اسم شارع المتنبي في عهد الملك فيصل الاول، تيمنا بالشاعر الكبير ابو الطيب المتنبي، ومنذ ذلك الوقت أصبح مركزا مهما للباحثين وأساتذة الجامعات والقراء وكل الباحثين عن أي كتاب.
يبدأ الشارع الذي يبلغ طوله نحو الف متر بتمثال برونزي للشاعر الكبير المتنبي يطل على نهر دجلة وينتهى بقوس ارتفاعه حوالي 10 أمتار وقد نقش عليه بيت الشعر الشهير للمتنبي "الخيل والليل والبيداء تعرفني .. والسيف والرمح والقرطاس والقلم"، ويستمر الشارع بشكل مستقيم، واروقة مبنية على الطراز العباسي الجميل، وينتهي بشارع الرشيد احد اشهر واقدم شوارع بغداد.
وللشارع ايام الجمع طعم خاص فتجد المغنين وعازفي الالات الموسيقية كالناي والعود، كما تجد رجال الدين والشعراء، والصحفيين والمثقفين والمواطنين العاديين وكل منهم يبحث عن مبتغاه وسط اصوات تتعالى لتنادي على عناوين الكتب التي تتعلق بالأدب والفن والثقافة والمعرفة.
هايد بارك العراق
اصبح شارع المتنبي أخيرا منبرا ثقافيا واعلاميا، ومكانا للمطالبة بالخدمات والحقوق، خاصة ايام الجمع، حيث يحضر العاطلون عن العمل ومن لديه قضية أو مظلمة يريد طرحها مستغلا وجود العشرات من وسائل الاعلام المحلية والعربية والاجنبية، التي تأتي لتغطية الفعاليات المختلفة التي تقام في الشارع، فضلا عن أخذ آراء المثقفين والسياسيين عن القضايا المهمة التي تخص البلاد.
وقال ستار محسن علي، صاحب دار نشر ومكتبة سطور لوكالة أنباء (شينخوا)، "لم يعد شارع المتنبي سوقا لبيع الكتب فقط، بل اصبح ملتقى ثقافيا حيث تقام فيه فعاليات متعددة تتوزع بين بيت المدى والمركز الثقافي البغدادي والقشلة".
ومضى يقول "اصبح الشارع ايام الجمع ظاهرة عالمية لن تتكرر في اي مدينة من مدن الشرق الاوسط على الاقل، لما يمتاز به من وهج دائم، بالاضافة إلى أهميته كونه يغذي اغلب محافظات العراق بما هو جديد من الكتب المختلفة، فضلا عن وجود دور النشر المتعددة التي تعني بالمطبوع العربي والعراقي".
وأضاف علي "إن شارع المتنبي باعتقادي هو هايد بارك الثقافة العراقية كونه مطبخا للجهد المدني الذي من خلاله انطلقت المظاهرات التي تطالب بالخدمات وتوفير الحقوق".
وتابع "تتميز الثقافة العراقية حاليا بحرية إلى حد معين، فلا يخضع المطبوع في العراق لما يخضع له الكتاب العربي في العديد من المدن العربية، اي انه يتمتع بشيء من الحرية، فلا توجد خطوط حمراء على عناوين الكتب"، مبينا ان اغلب الكتب الرائجة هي كتب النقد الديني والنقد الثقافي بالاضافة إلى الروايات.
وعن اسباب استهداف الشارع من قبل الارهاب العام 2007، قال علي "استهداف الارهاب لهذا الشارع، له أكثر من تأويل واكثر من غاية، فالارهاب يقف خلفه المتطرفون، الذين يستهدفون الثقافة، ونحن نرد عليهم بتوسيع دائرة الثقافة لنحجم الارهاب، واعتقد إن اشاعة ثقافة القراءة تقلل من الدم المراق"، مضيفا "ان الهجوم الارهابي الذي استهدف شارع المتنبي لن يقلل من جهدنا وتواصلنا في ان يكون للشارع تأثير كبير، وكما تشاهد الاقبال على اشده".
من جانبه، قال الناشط المدني علي السعدي الذي جاء من محافظة ديالى شرقي العراق "نأتي إلى شارع المتنبي كونه معلما ثقافيا وللحصول على مختلف انواع الكتب المتنوعة، ونسمع الموسيقى، ونلتقي مع المثقفين واصحاب الرأي والمسرحيين، كون هذا الشارع يجمع كل الثقافات العراقية المتنوعة خصوصا وان العراق علم العالم القراءة والكتابة".
وواصل حديثه "تعقد هنا ندوات سياسية وثقافية وارشادية وفكرية تطرح فيها مختلف القضايا والمواضيع التي تهم المجتمع العراقي بشكل عام، ونتبادل الآراء، وتجري المناقشات بين منظمي هذه الندوات والحضور، ونسمع للرأي والرأي الاخر، وبكل رحابة صدر".
يذكر أن شارع المتنبي تعرض لهجوم بسيارة مفخخة في شهر مارس العام 2007 قتل فيه 30 شخصا واصيب أكثر من 65 اخرين بجروح فضلا عن اضرار مادية جسيمة، وقد قامت امانة بغداد باعادة تأهليه واعماره بصورة افضل مما كان.
من جانبه، قال قيس عبدالجبار من المترددين دائما على الشارع "أخيرا اصبح الشارع قبلة لوسائل الاعلام العراقية والعربية، والاجنبية لنقل اخر اخبار الثقافة العراقية، بالاضافة إلى اخذ اراء المثقفين والخبراء بما يجري على الساحة العراقية وخاصة الاحداث الساخنة".
واضاف "شارع المتنبي اصبح ظاهرة ثقافية وسياسية في العراق، ومنبرا اعلاميا، فتجد من لديه مشكلة او قضية عامة يريد ايصالها إلى الدولة يتواجد في شارع المتنبي ايام الجمع لطرحها على وسائل الاعلام، كما تجد العديد من السياسيين وخاصة خلال فترة الانتخابات يتواجدون فيه للترويج لانفسهم وكسب تأييد الطبقة المثقفة".
معالم وذكريات
من معالم شارع المتنبي الشهيرة مقهى الشابندر والتي يعود تاريخها لعام 1917 وهي، مبنى تراثي يقع في بداية الشارع، جدرانه مزينة بصور السياسيين العراقيين القدامى والشخصيات البغدادية الشهيرة من الشعراء والمثقفين ومشاهير بغداد، يجلس فيه رواد الشارع لاحتساء الشاي على انغام الموسيقى العراقية القديمة، وقد منعت ادارة المقهى العاب الطاولة والدومينو لتفسح المجال للنقاشات الفكرية والأدبية التي تجد كل مجموعة من رواد المقهى منشغلة بها.
معلم اخر وشهير مقابل مقهى الشابندر هو مبنى القشلة، الذي بني بعهد الدولة العثمانية عام 1852 كثكنه عسكرية، لكنه الان عبارة عن مكان جميل يتميز بحدائقه الخضراء ذات الورود الزاهية، وتعد القشلة من معالم الشارع المهمة، والتي تشهد تجمع رواد الشارع في ساحاتها على شكل مجموعات يقيمون الندوات الثقافية والسياسية ومهرجانات الشعر والغناء، فيما يأتي البعض من رواد الشارع لاخذ قسطا من الراحة بعد رحلة من التجوال في الشارع.
ويقابل القشلة، المركز الثقافي البغدادي، وهو بناية المدرسة الرشدية العسكرية التي بناها الوالي العثماني مدحت باشا عام 1870 لتكون أول مدرسة عسكرية حديثة، والتي تحولت إلى أكبر مركز ثقافي يتوسط شارع المتنبي، ابواب هذا المركز مفتوحة مجانا لكل الاتحادات والمنظمات والجمعيات والروابط الأدبية الثقافية لإقامة الفعاليات الفنية والثقافية والشعرية، فضلا عن وجود مسرح لعرض المسرحيات واقامة المهرجانات.
ومن معالم الشارع الاخرى دار المدى الثقافية، والتي تقع بالقرب من مقهى الشابندر وهي دار نشر وفيها مكتبة كبيرة، وقاعة تقام فيها عدة فعاليات ايام الجمع تتناول قضايا فنية او ثقافية او اجتماعية يشارك فيها عدد من المختصين بهذه الشئون، كما ترعى الشباب وتساعدهم في طباعة انتاجاتهم الثقافية.
اثناء التجوال في الشارع يلفت انتباهك رجل كبير في السن، جميل المظهر يتوسط مجموعة من الكتب القديمة بعضها مكتوب بلغات اجنبية، واسطوانات علقها على احد الاعمدة الضخمة الموجودة في الشارع، حيث تشم عبق التاريخ عندما تتحدث مع هذه الرجل وتتصفح الكتب التي يملكها.
وقال هذا الرجل وهو فنان تشكيلي يدعى شكر باجلان تخرج من اكاديمية الفنون الجميلة العام 1977 "اتجهت للعمل في الصحافة الورقية، ثم اهتممت بالكتاب وصار لدي المام به فلجأت إلى شارع المتنبي العام 1977 بعد تخرجي وعملت في المطابع لكن الظروف السياسية وظروف الحصار التي مر بها العراق في تسعينيات القرن الماضي جلعتني افتح مكتبه على شكل بسطية في شارع المتنبي، واختصصت بالكتب الاجنبية والمختصة بالحضارة العراقية والسينما والفن التشكيلي".
وأكد باجلان أن أوضاع شارع المتنبي تعكس اوضاع العراق قائلا "العراق من البلدان التي تحصل فيها تغييرات سياسية دائمة وبصورة مستمرة، لكن مع الاسف الوضع السياسي غير مستقر في العراق منذ 100 سنة وتوجد شواهد تاريخية على ذلك، ومن خلال عملي لمدة أكثر من 40 سنة في المتنبي فان الوضع السياسي في العراق يؤثر على الوضع الثقافي".
وأضاف "الثقافة يحصل فيها تغيير، انا استفدت جدا من الثقافة وخاصة تاريخ العراق لكن فقدت اشياء كثيرة في حياتي الشخصية، وماديا لم استفد اي شيء، فقط كسبت تاريخ العراق وشخصيات العراق وكسبت محبة الفنانين والنقاد والمهتمين بالحضارة العراقية، وكسبت علاقات مع الاجانب المهتمين بالحضارة العراقية".
ومضى يقول "إنا معروف حاليا بالعالم ولدي علاقات في استراليا وكندا واسبانيا وهم يعرفون ان شكر باجلان مختص ببيع الكتب الاجنبية عن الفن التشكيلي وعن السينما العالمية والعربية والعراقية وعن النحت والموسيقى العراقية ولدي اهتمام خاص بالاسطوانات التي املك فيها خبرة كبيرة".
وخلص إلى القول "ما جنيته خلال أكثر من 40 سنة بالعمل في شارع المتنبي هو محبة الناس، وهذا اهم شيء سيبقي خالدا في ذاكرتي مع هذا الشارع الحيوي والمهم".
بدوره، قال سليم منصور (مدرس متقاعد) "لدي ذكريات جميلة مع هذا الشارع فانا اتردد عليه منذ أكثر من 35 عاما ايام الجمع، ابدأ جولتي بتناول وجبه الافطار في مطعم (كبة السراي الشهير) القريب من مقهى الشابندر، ثم احتسي الشاي في مقهى الشابندر، بعدها ابدأ اتجول في الشارع بين طيات الكتب وفي اروقة المكتبات، لاختار ما يعجبني من الكتب أو الروايات".
واضاف " بعدها اذهب للمشاركة في ندوة حوارية بالقشلة عن قضية سياسية او اجتماعية او ظاهرة عامة، وادلي برائي بكل حيادية ومهنية"، واصفا الاجواء في شارع المتنبي بانها مختلفة تماما عما يجري في العراق من صراعات وخلافات، فالاجواء في المتنبي رائعة ومثالية لكون الحضور من الطبقة المثقفة ويطرحون القضايا بصورة عقلانية وعلمية وبعيدة عن التعصب.
وتابع "أخيرا غزت الفضائيات هذا الشارع التي تتواجد بكثافة ايام الجمع، وهذا لم يكن موجودا في الماضي"، عازيا ذلك إلى فضاء الحرية التي يتمتع بها العراق حاليا، مضيفا "ان اية جهة لم تكن تستطيع اقامة اي نشاط سياسي قبل العام 2003 لان ذلك من المحرمات، اما الان فيشهد الشارع العديد من الانشطة السياسية والثقافية والاجتماعية والعامة والتي تنتقد سياسة الدولة".








