مقالة خاصة: صرخات من أجل البقاء والعدالة -- استطلاع للرأي حول حقوق الإنسان في الخارج (الجزء الأول)
بغداد 12 ديسمبر 2021 (شينخوا) إن عيش المرء حياة مرضية هو أسمى حقوق الإنسان. فوفقا لاستطلاع للرأي أجرته وكالة أنباء ((شينخوا)) مؤخرا حول حقوق الإنسان في الخارج، أجمع ما يقرب من 70 في المائة من المستطلعة آراؤهم على أن شعور المواطن العادي بالكسب والأمن والسعادة يشكّل مؤشرا هاما على وضع حقوق الإنسان في أي بلد.
غير أنه، بالنسبة للكثيرين، لا تزال حقوق الإنسان الأساسية الأولية، أي الحق في العيش والنماء، بعيدة المنال بسبب تدخل الغرب، في حين تعد السعادة بالنسبة للبعض الآخر أيضا من الكماليات.
-- الحق في العيش والنماء
أخذ عبد الله الكردي، لاجئ سوري يبلغ من العمر 45 عاما، يتمتم وهو ينظر إلى صورة ابنه في لوحة قائلا "لو كان آلان لا يزال على قيد الحياة، لصار عمره تسع سنوات".
على جدار منزل عبد الله الكردي في مدينة أربيل شمالي العراق هناك لوحة معلقة: لحورية بحر صغيرة تسبح لإنقاذ آلان وهو يرقد على الشاطئ، لكن الطفل البالغ من العمر ثلاث سنوات لم يعد يتنفس.
في عام 2015، أصبح مشهد آلان الصغير "وهو نائم" على شاطئ البحر الأبيض المتوسط أحد أفجع الصور التي تنفطر لها القلوب بشأن أزمة اللاجئين في أوروبا في ذلك العام. كما لقى الابن الأكبر (5 سنوات) لعبد الله الكردي وكذا زوجته مصرعهما في حادث غرق السفينة.
واليوم، ما زالت مآسٍ مماثلة تتكشف في بعض أنحاء العالم.
وبعد ست سنوات من الحرب والنزوح، والبقاء والبعث، حكى الكردي لـ((شينخوا)) قصة دماء ودموع أسرة لاجئة.
في حوالي الثانية من صباح يوم 2 سبتمبر عام 2015، وصلت مجموعة من الأشخاص تستقل ثلاث سيارات إلى قرية صيد في الليل قبالة ساحل بودروم، وهي مدينة جنوب غربي تركيا. وكان الكردي وزوجته وابناه من بينهم. وهذا كان المكان الذي سيبحرون منه عبر البحر الأبيض المتوسط متجهين إلى اليونان.
في ذلك الوقت، مع دخول الأزمة السورية عامها الخامس، أصبح الوضع فوضويا بشكل متزايد، حيث زهقت المعارك أرواحا، وأصبح التهريب بمثابة الملاذ الأخير بالنسبة للكثيرين.
ولم يكتشف الكردي سوى في اللحظة الأخيرة أن ما كان ينتظرهم ليس زورقا سريعا كما وُعِدوا، بل قاربا متواضعا لا يستطيع حمل عدد قليل من الناس.
واسترجع الأحداث قائلا "لقد رفضت ركوب القارب، لكن المهربين كانت بحوزتهم أسلحة. وعندها، انحصر الوضع في أمرين إما الركوب أو الموت".
أدرك الكردي أن الطريق أمامهم خطير، لكنه لم يظن إطلاقا أنه طريق اللاعودة.
كان القارب محملا فوق طاقته فانقلب بفعل أمواج عاتية بعد دقائق فقط من إبحاره. نجا الكردي، لكنه فقد زوجته ريحانة وابنه الأكبر غالب وابنه الأصغر آلان.
في ذلك العام، تجاوز العدد الإجمالي للاجئين الذين حاولوا عبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا مثل أسرة الكردي مليون لاجئ، معظمهم من اللاجئين السوريين.
منذ بدء الاضطرابات في غرب آسيا وشمال إفريقيا عام 2011، حدث تدفق مطرد للاجئين عبر حدود أوروبا من الجنوب إلى الشرق.
من الجنوب والجنوب الشرقي، يحاول عدد كبير من اللاجئين السفر إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط: إما إلى إسبانيا عبر المغرب والجزائر، أو إلى إيطاليا عبر تونس وليبيا، أو إلى اليونان عبر تركيا. لكن الكثيرين لم يصلوا مطلقا إلى الجانب الآخر.
وقد انفصل الأشخاص المقتلعون من ديارهم، وكثير منهم من بلدان مزقتها الحرب في آسيا وإفريقيا، عن أحبائهم وتخلوا عن كل ما لديهم، شأنهم شأن أسرة الكردي، أملا في البقاء.
وتقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأنه في عام 2011، وهو العام الذي بدأ فيه ما يسمى بالربيع العربي، بلغ عدد اللاجئين، الذين وصلوا إلى أوروبا وماتوا في عرض البحر الأبيض المتوسط، 58000 و1500 على التوالي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2006.
ولم تكن هذه سوى البداية. فمع استمرار الاضطرابات في غرب آسيا وشمال إفريقيا، تزداد أزمة اللاجئين سوءا. ففي الفترة ما بين عامي 2014 و2019، تم تهريب أكثر من 100 ألف شخص عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا كل عام. ولقي أكثر من 20 ألف مهاجر حتفهم في عرض البحر الأبيض المتوسط في الفترة ما بين عامي 2014 و2020. وفي النصف الأول من عام 2021، لقي 1146 شخصا حتفهم، بزيادة 58 في المائة عن نفس الفترة من العام الماضي.
إذا بقوا في سوريا، قد يموتون في الحرب؛ وإذا عبروا إلى أوروبا، قد يموتون في عرض البحر الأبيض المتوسط أو في مكان آخر على طول الطريق -- هذا هو الخيار الصعب الذي واجه أسرة الكردي وملايين الناس في سوريا وغيرها من البلدان التي مزقتها الحرب.
بالنسبة لأي شخص، إن لم يكن الحق في العيش مكفولا، فإن جميع الحقوق الأخرى هي مجرد أوهام. وفي استطلاع الرأي الذي أجرته ((شينخوا)) في 10 دول عربية في الشرق الأوسط بما فيها سوريا والعراق واليمن ومصر، فإنه فيما يتعلق بحقوق الإنسان، أعرب حوالي 70 في المائة من المستطلعة آراؤهم عن أملهم في "العيش حياة أفضل".
وقال عدنان حازم، المتحدث باسم المكتب السوري للجنة الدولية للصليب الأحمر، إن "البقاء هو حق السوريين".
وأضاف "نحن لا نتحدث عن السوريين فحسب، بل نتحدث عن الإنسانية جمعاء. فيجب التمتع بهذا الحق في كل مكان وفي جميع الأوقات".
-- تدخل الغرب
كانت أسرة الكردي تعيش في سلام في بلدة كوباني الحدودية السورية. وفي عام 2011، اندلعت الأزمة السورية واستمر الوضع في التدهور. في عام 2013، لاحظ الكردي، حسبما قال، أن الأمور صارت مختلفة بشكل أكبر مع قدوم تنظيم الدولة الإسلامية.
"كان من الممكن أن نموت في سوريا أيضا"، هكذا ذكر الكردي، مضيفا "كان من الممكن أن يتم اعتقال زوجتي، وكان من الممكن أن أُقتل أنا وابناي. الجميع يعلمون ماهية تنظيم الدولة الإسلامية".
في عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق في عام 2003، بزعم وجود أسلحة دمار شامل، وأطاحت بصدام حسين. في ذلك الوقت، سعت إدارة بوش إلى استنساخ النموذج السياسي الأمريكي في العراق بما أسمته "مبادرة الشرق الأوسط الكبير"، لكنها سرعان ما دخلت في مواجهة طويلة الأمد مع الجماعات المسلحة. وقد أتاحت الحرب المستمرة حيزا ليعيش فيه تنظيم القاعدة.
في عام 2011، قتلت الولايات المتحدة أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، في باكستان، ثم بدأت في سحب قواتها على عجل من العراق. ومع ذلك، فإن الفوضى التي خلفتها وراءها جلبت عواقب وخيمة، وسرعان ما تزايدت شوكة القوى الإرهابية المتطرفة. وفي الوقت نفسه، غرقت سوريا في حرب أهلية بسبب "الربيع العربي" الذي أشعلته الولايات المتحدة والغرب. وانتهز فرع تنظيم القاعدة في العراق الفرصة لتوسيع نفوذه في سوريا وأعاد تسمية نفسه بتنظيم الدولة الإسلامية، واستولى على أراضٍ في كلا البلدين وارتكب الكثير من الفظائع المروعة.
ووفقا للمؤرخ السويسري دانييل غانسر، فإن تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف كان في الواقع "صنع في أمريكا".
وقال الكردي إن "الخوف يجبرنا على المغادرة"، مضيفا أنه خيار يتعين على العديد من الأسر السورية اتخاذه. وأثناء حديثه شعر الكردي بغصة في حلقه عدة مرات وضغط على جبينه المقطب بيديه وهو غارق في أحزانه.
وبعد ست سنوات، لا يزال الكردي يلوم نفسه على إرسال زوجته وابنيه إلى هلاكهم. لكنه بات يضمر كراهية أشد للتدخل الذي دمر السلام وأجبر أسرته على النزوح عن ديارها.
وقال "أنا لا أفهم السياسة... لكن حتى الشخص العادي يعرف أن الأسلحة تدخل سوريا من الدول الغربية، والتدخل من جانب الغرب هو السبب الجذري لتدهور الوضع في سوريا".
على مدى السنوات الماضية، شنت الولايات المتحدة الحرب في أفغانستان تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وأشعلت فتيل حرب العراق باستخدام أنبوب يحتوي على مسحوق أبيض كدليل على وجود "أسلحة كيميائية" في العراق، وتدخلت في الصراع الليبي على أساس "التدخل الإنساني"، وشنت غارات جوية في سوريا على أساس مقاطع فيديو مزيفة أنتجتها منظمة الخوذ البيضاء، والقائمة تطول.
ووفقا للإحصاءات، فإن الحروب والعمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة باسم "مكافحة الإرهاب" شملت منذ عام 2001 حوالي 40 في المائة من دول العالم وأودت بحياة أكثر من 800 ألف شخص وتسببت في نزوح أكثر من 38 مليون شخص. وفي سوريا وحدها، بحلول نهاية عام 2020، اضطر 13.5 مليون شخص إلى النزوح عن ديارهم، أي أكثر من نصف سكانها قبل الحرب.
في الآونة الأخيرة، في أوروبا الشرقية، تم منع دخول عدد كبير من اللاجئين من سوريا والعراق وأفغانستان ودول أخرى على حدود بيلاروس وبولندا وليتوانيا. ومع اقتراب الشتاء، بات مصيرهم يحفّه الغموض.
وقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الدول الغربية نفسها هي التي تسببت في أزمة المهاجرين الحالية، مشيرا إلى أن الدول الغربية قاتلت لسنوات عديدة في العراق وأفغانستان.
-- أمل في السلام والاستقرار
بعد غرق السفينة في عام 2015، دفن الكردي ابنيه. ولليال عديدة بعدها، لم يتمكن من الخروج من كابوس الصراخ والبحث عن ابنيه وسط الأمواج الهائجة.
لدى الكردي صورة واحدة فقط للصغير آلان وشقيقه. فقد وجد الصورة في تقرير إخباري وقام بطبعها.
تظهر الصورة، التي اُلتقطت في إسطنبول في صيف عام 2015، آلان الصغير وهو يمسك بشقيقه بيده الصغيرة، ويرتدي ربطة عنق رقيقة وينظر بخجل إلى الكاميرا.
تصور الكردي يوما أن ابنه الأكبر غالب سيصبح طبيبا، ولم يكن قد وضع أي خطط تخص آلان لأنه كان صغيرا في السن للغاية. تغير مصير الأسرة بسبب الحرب ودمرها غرق السفينة.
ورأى الكردي ضرورة أن يتذكر الناس هذه المأساة لضمان عدم تكرار ما حدث أبدا، قائلا "لا أريد أن تقع مأساة، مماثلة لتلك التي تعرض لها ابناي".
وعند سؤالهم عن تطلعاتهم تجاه حياتهم المستقبلية، اختار 43 في المائة من المستطلعة آراؤهم من الشرق الأوسط "التحرر من الحروب والصراعات"، وفقا لما جاء في استطلاع الرأي الذي أجرته ((شينخوا)) حول حوكمة حقوق الإنسان في الخارج.
ولتحقيق هذه الأمنية البسيطة، لا غني عن تحقيق السلام والتنمية.
ووفقا لمؤشر البؤس السنوي لعام 2020 الذي وضعه الخبير الاقتصادي ستيف إتش. هانكي من جامعة جونز هوبكنز، كانت بلدان من بينها فنزويلا وزيمبابوي ولبنان وليبيا وإيران من بين البلدان التي تعرضت لأكبر ضغط للبقاء. وكثيرا ما تضررت البيئة الداخلية للتنمية السلمية في تلك البلدان جراء التدخل الخارجي.
ويعتقد أكثر من 52 و30 في المائة من المستطلعة آراؤهم في هذا الاستطلاع الذي أجري مؤخرا أن "دور الحوكمة الوطنية المستقلة والفعالة في مجال حماية حقوق الإنسان" هو دور "هام للغاية " أو "هام جدا" على التوالي.
ورواندا مثال حي على ذلك. فخلال مدة تزيد عن السنوات العشر الماضية، كان أداء رواندا الاجتماعي والاقتصادي مثيرا للإعجاب حقا في التقارير الاقتصادية الصادرة عن البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة الأخرى ذات الصلة.
بالعودة إلى القرن العشرين، كان هذا البلد الإفريقي يعاني من حرب أهلية واضطرابات، وكان شعبه يعيش في فقر. وفي عام 2000، استطاع رئيس البلاد بول كاغامي أن يوجد ويؤسس مسارا تنمويا مستقلا يتناسب مع ظروفهم الوطنية، الأمر الذي مكَّن البلاد من الخروج من القاع والتوجه نحو فترة من التنمية السريعة، وتحسين معيشة شعبها.
إن السعي إلى حياة سعيدة هو الطموح المشترك لشعوب جميع البلدان. ومهما كان أساس البلد ضعيفا، فما دامت البيئة هادئة ومستقرة، يمكن ضمان الحق في التنمية المستقلة، وهو ما يولد بدوره إمكانات كبيرة.
في يوم 2 سبتمبر من كل عام، يقوم الكردي بتسليم الملابس والحقائب المدرسية للأطفال في مخيم قريب للاجئين. وكثيرا ما يفكر في أنه لولا الحرب وقارب التهريب، لكان غالب وآلان يباشران دراستهما في المدرسة.
لقد حُرم أطفال مثل آلان من الحق في البقاء والنماء. لذا، بات تحرير المزيد من الأطفال من المعاناة والجوع ومساعدتهم في الحصول على التعليم والرعاية الصحية يُشكل أمنية الكردي وهدفه في بقية حياته.
خلال المقابلة، دخل غرفة المعيشة طفل يبلغ من العمر عامين وفي فمه لهاية ويشبه في الشكل آلان الصغير تماما. وقال الكردي إن هذا الطفل ولد بعد أن بدأ في تكوين أسرة جديدة، كما أطلق على الطفل أيضا اسم آلان.
وأضاف "هذا الاسم يحمل ذكرياتي عن الماضي، وينطوي أيضا على أملي في حياة جديدة".







