مقالة خاصة : "الحاكورة الصيفية" .. ملجأ اللبنانيين للاكتفاء الذاتي من الخضار بجنوب البلاد
مرجعيون ،جنوب لبنان 21 مايو 2022 (شينخوا) عند الضفة الشرقية لمجرى نهر الحاصباني بجنوب لبنان نشط الشاب الثلاثيني عادل أبو عمر في حفر تراب "حاكورته" مستعينا بمعول ومجرفة لتسوية أثلام (خطوط) منتظمة تمهيدا لزراعتها بمختلف أنواع الخضار الصيفية الموسمية.
و"حاكورة" أبو عمر، التي كانت قد أهملت وتركت بورا على مدى سنوات طويلة كمئات الحواكير المشابهة، عادت مع تردي الوضع المعيشي في لبنان لتنعم باهتمام أصحابها الذين وجدوا فيها الملجأ الأفضل للاكتفاء الذاتي من الخضار ورفع دخلهم العائلي.
ويعاني لبنان من سلسلة أزمات سياسية واقتصادية ومعيشية وصحية متشابكة غير مسبوقة صنّفها البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، فاقمها انفجار مرفأ بيروت الضخم في أغسطس 2020، وتداعيات مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19).
وقال أبو عمر وهو يعتمر قبعة بيضاء على رأسه حماية من الشمس ويتصبب العرق من جبينه، لوكالة أنباء ((شينخوا)) "استغل أوقات الفراغ للعمل المجدي والمنتج في الحاكورة التي زرعتها بأصناف خضر متعددة مثل الطماطم والباذنجان والفجل والبقدونس والنعناع والسبانخ والكزبرة والهندباء والفجل والبصل والجرجير وغيرها".
وأضاف "أمضي حوالي ثلاث ساعات يوميا أعتني بها، أروي شتولها من مياه النهر المحاذي، أكافح الآفات وأزيل الأعشاب البرية من أثلامها بانتظار جني ثمارها، التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني، فبات كيلوجرام الطماطم بـ 30 ألف ليرة واللوبياء بـ 60 ألف ليرة والخيار بـ 20 ألف ليرة".
وتابع أبوعمر الذي يعول عائلة من خمسة أفراد "انتاج الحاكورة يؤمن لعائلتي الاكتفاء الذاتي من الخضار، والذي تقدر كلفته الشهرية بحوالي ثلاثة ملايين ليرة لبنانية، والفائض نعمل على بيعه مما يرفع بشكل مقبول دخلنا العائلي".
وعلى غرار أبو عمر، بدت الخمسينية سعاد أبو علي، فرحة بباكورة إنتاج حاكورتها من النعناع والزعتر والبقدونس والفول والخيار.
وقالت أبو علي ل(شينخوا) "إن الأرض وفية لمن يهتم بها، وهي الملاذ الأول والأخير خاصة في ظل الظروف المعيشية القاسية والارتفاع الجنوني في أسعار الخضار والفاكهة والتي لا يمكن للعائلة الاستغناء عنها".
وأضافت "عملنا كعائلة مجتمعين لتأهيل حاكورة نملكها في وادي الليطاني كنسبة كبيرة من الريفيين، الذين عادوا إلى استغلال أراضيهم واستثمارها بشكل مقبول".
وأسهم المزارعون الجدد في حدوث إقبال كثيف هذا العام على شراء الشتول الزراعية بمختلف أنواعها، وفق اللبناني عادل مكي، وهو مالك مشتل زراعي في محيط مدينة النبطية بجنوب لبنان.
وقال مكي ل(شينخوا) "الطلب على الشتول فاق قدرة المشاتل التي فرغت منها وعجزت عن تلبيته بالرغم من ارتفاع أسعارها حوالي سبعة أضعاف نتيجة ارتفاع تكلفة البذور المهجنة والأتربة المستوردة بالدولار".
وأضاف أن "سعر الشتلة الواحدة ارتفع من 250 ليرة العام الماضي إلى 2000 ليرة لبنانية في هذه الفترة".
وتجاوز عدد العاملين في زراعة الحواكير 80 %من سكان جنوب لبنان، بحيث استغل هؤلاء زراعة أية قطعة أرض مهما كانت مساحتها وطبيعتها، بحسب مدير مكتب وزارة الزراعة بجنوب لبنان فؤاد ونسة.
وقال ونسة "الكثيرون نصبوا خيما زراعية صغيرة الحجم في ظاهرة نشطة ليسجل إقامة 400 خيمة في قرى قضاء مرجعيون وحدها، والتي لا يتجاوز عددها 27 قرية".
وتابع "وزارة الزراعة تشجع مثل هذه الزراعات من خلال تقديم نسبة من الشتول والمبيدات والخبرات"، مشيرا إلى "أن الانتاج السنوي لخيمة بمساحة 20 مترا مربعا يصل إلى حوالي 4 آلاف كيلو من الخيار مثلا و5 آلاف كيلوغرام من الطماطم".
وكان اتحاد بلديات جبل عامل قد أطلق مشروع (الحاكورة الصيفية) بالتعاون والشراكة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وذلك ضمن خطة هدفت إلى تأمين الاكتفاء والأمن الغذائي لسكان المنطقة.
وقد استفاد من المشروع حوالي 1500 مزارع حصلوا على كمية كبيرة من شتول الخضار الصيفية قدرت بـ 500 ألف شتلة، حيث عملوا بعدها على زراعة الحواكير ومحيط المنازل وحتى الشرفات، وتمكنوا من توفير جانب من حاجاتهم الغذائية في ظروف حياتية صعبة بدلا من شرائها بأسعار مرتفعة.
وقال رئيس اتحاد بلديات جبل عامل علي ياسين، إن الاتحاد تلاقى مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في دعم هذا المشروع بهدف تحقيق وبشكل واسع الأمن الغذائي والاكتفاء الاستهلاكي العائلي.
فيما قالت ممثلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي زينب زلزلي، إن المستفيدين من المشروع هم صغار المنتجين وتجاوز عددهم الألف و500 عائلة.
من جهته، قال المهندس الزراعي حسان جابر، إن كميات الشتول التي وزعت على العائلات تكفي للاستهلاك المنزلي، كذلك يقوم معظمهم ببيع جانب من المحصول ليحققوا أرباحا تساعدهم في تطوير زراعاتهم وزيادة انتاجهم وبالتالي رفع حجم دخلهم.
ويشكل القطاع الزراعي في لبنان ثالث أهم القطاعات الاقتصادية بعد قطاع الخدمات والصناعة، ويساهم بقرابة 7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويؤمن دخلا لحوالي 15 بالمائة من السكان، وتشمل المحاصيل الزراعية الرئيسية القمح والشعير والفاكهة والخضار والتبغ.






