مقالة خاصة: من الموصل إلى بيروت... توثيق أحداث الحروب ومعاناة الناس
بقلم نائل تشنغ
دمشق 15 يناير 2025 (شينخوا) كيف تبدو ساحة المعركة الحقيقية؟ هل هي المنازل التي تحولت إلى أنقاض بعد القصف؟ هل هي العائلات التي تفر مسرعة، حاملة أطفالها وكبار السن؟ هل هي أعمدة الدخان التي تتصاعد في كل مكان أو صوت صفير الطلقات النارية في الهواء؟
قبل انتقالي من مصر إلى العراق للعمل كصحفي، كنت أتابع أخبار الحروب عبر شاشة التلفاز القديمة في مسكني، وكثيرا ما تخيلت تلك المشاهد الخطرة التي قد أواجهها. لكن لم يخطر في بالي أبدا أنني حينما أكون في ساحة المعركة أخيرا، ستطاردني مشاعر التوتر والخوف أولا.
في مارس 2017، وفي مدينة الموصل شمال العراق، جرت واحدة من أكبر المعارك الحضرية في هذا القرن، واستمرت لعدة أشهر.
كانت الحافلة التي نقلت الصحفيين تسير عبر طرق مليئة بالحفر والغبار، وتوقفت لفترة قصيرة في مطار الموصل. على بُعد عدة كيلومترات، كانت أعمدة الدخان تتصاعد من أماكن مختلفة داخل المدينة إثر الانفجارات. وكانت أصوات الطلقات النارية والانفجارات تتداخل مع بعضها في أذني. بعد معارك ضارية، كان المطار خاليا من أي بناء باستثناء بضع قطع من الإسفلت المكسور وبقايا الحطام المعدني وبعض الملابس القديمة المتروكة.
بعد المطار، أخذتنا الحافلة إلى شارع مجاور لمحطة قطار الموصل على أطراف المدينة القديمة، حيث كانت القوات الحكومية العراقية تواجه مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي (داعش) في اشتباكات عنيفة.
لقد كانت أصوات الانفجارات والرشاشات أكثر كثافة، وعندما اقتربنا من الخط الأمامي للقتال، أشار الجنود في الموقع إلينا بسرعة، وصرخوا بصوت عال "قناص! قناص!" لم أكن أرتدي خوذة أو سترة واقية من الرصاص، وكنت أقف بجانب جدار أفكر "إذا أصابتني رصاصة، هل سيكون لدي وقت كاف للتفكير أو التحرك؟" كان هذا مجرد تفكير عابر، لكن الخوف اجتاحني فجأة وأصابني بالشلل، فحاولت بسرعة أن أركز انتباهي على مهمتي الصحفية لأجنب نفسي الذعر.
وعدت لمحاولة التركيز مرة أخرى، ملتصقا بالجدار، وأنا أنظر بحذر نحو الشارع الذي يسيطر عليه المسلحون. رأيت جرافة مدمرة في الجوار، والدخان الأسود ما يزال يتصاعد من الحطام الذي لم تنطفئ نيرانه بعد.
اشتدت حدة القتال بشكل متسارع، وكانت قذائف الهاون التي أطلقها مقاتلو داعش تسقط بين الحين والآخر في محطة القطار. في المقابل، كانت القوات الحكومية تواصل إطلاق النار على مناطق سيطرة المسلحين، وكان صوت إطلاق الصواريخ الضخم يسبب طنينا في آذاننا نحن الصحفيين الواقفين على بعد خمسة أو ستة أمتار فقط.
فجأة، ظهرت عائلة مكونة من أب وأم وثلاثة أطفال يهربون من المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش. عبر الأطفال بسرعة الشارع الذي كان يشهد عمليات القصف، وتبعهم الوالدان والابن الأكبر نحو منطقة آمنة، قبل أن يتوجهوا إلى مخيم للنازحين.
ولكن الخطر لم يختف بعد. وبعد انتهاء التغطية الصحفية، كنت أنا وزملائي نتوجه إلى الحافلة، وفجأة سقطت قذيفة داخل محطة القطار المجاورة. كان الانفجار قريبا للغاية، فجثيت سريعا على الأرض. انتبه أحد الضباط إلى الموقف، فصرخ قائلا "لماذا أنتم بلا خوذات؟"
كانت هذه هي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى ساحة معركة.
تجربة التغطية الصحفية من مناطق الحروب والنزاعات لا يمكن أن يتخيلها الأشخاص العاديون. في الموصل، كنا نقف على بعد ثلاثة أو أربعة أمتار لتصوير عملية إبطال مفعول قنبلة ملصقة على سيارة، وننزل إلى قبو مبنى لزيارة "سجن" للنساء الإيزيديات المحتجزات ونلتقي مسلحي داعش الذين تم أسرهم للتو، وكان صوت إطلاق النار من المدافع الرشاشة الثقيلة يسبب طنينا مستمرا في الأذنين...
مع مرور الوقت وتراكم الخبرات، بدأ الخوف يتراجع، لكنني كنت دائما مشدودا ومنتبها في كل مرة أذهب فيها إلى جبهة معركة. في المناطق الخطرة، لم أشعر أبدا بالجوع أو التعب أو الحر خلال تغطيتي الصحفية، ولم أكن أشعر بثقل الدرع الواقي الذي كان يزن حوالي 30 كيلوغراما، لكن عندما كنت أعود إلى مكان آمن، كنت أكتشف أن ملابسي قد ابتلت تماما بالعرق.
في نهاية عام 2023، عدت إلى منطقة الشرق الأوسط، حيث كانت الحرب لا تزال مستمرة. عند وصولي إلى دمشق، كانت الغارات الجوية الإسرائيلية تحدث بتواتر أسبوعي تقريبا، وكان العديد من الأشخاص يستيقظون مفزوعين بسبب أصوات الانفجارات في الساعات الأولى من صباح أيام الخميس أو الجمعة.
في بداية عام 2024، اشتد الصراع في المنطقة. وفي أول أبريل، تعرضت القنصلية الإيرانية في دمشق لهجوم إسرائيلي، وتحول المبنى المكون من عدة طوابق إلى ركام. وقفت لحظات قصيرة بين الأنقاض في الموقع كانت كافية ليسبب الدخان والأتربة ألما شديدا في حلقي.
في أواخر سبتمبر، تصاعدت حدة الصراع بين إسرائيل وحزب الله بشكل كبير. في مكتبنا ببيروت، كان صوت دوي اختراق الطائرات الحربية الإسرائيلية لحاجز الصوت هائلا لدرجة يجعل النوافذ خلفي تهتز بعنف، مما جعل يدوي ترتجفان ورجلي تضعفان. وعند موقع إحدى الغارات الجوية في الضاحية الجنوبية لبيروت، وقفت أمام الحطام الناتج عن الصواريخ، ورأيت الحفر الكبيرة التي ظهرت أسفل مبنى مجاور للمبنى المستهدف. إحدى تلك الغارات كانت على بُعد أقل من كيلومتر واحد من مكتبنا، وبعد دقائق قليلة، تسلل دخان كثيف إلى الغرفة، وكاد أن يحطم أعصاب كل من كان هناك...
عملت في العراق أكثر من عامين، وفي سوريا أكثر من عام، وزرت ثلاثة ساحات حروب. لكن عندما أتأمل مليا في الأمر، فإن معظم الأيام كانت تمضي في روتين عادي بعيدا عن أجواء المعركة. كصحفي، كنت مجرد زائر عابر، شاهدا على المعركة، بينما بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في مناطق الحرب، كانت الحرب جزءا كبيرا من حياتهم لفترة طويلة.
في الموصل، لم نكن بحاجة إلى البحث عن ضحايا لإجراء المقابلات. كانت القصص تأتي إلينا مع كل خطوة، مثل شخص روى لي بحزن كيف قُتل طفله في حديقة المنزل نتيجة قصف، وأم كانت تبكي بحرقة على أولادها المحاصرين، وشاب قال لي إن والده اختطفه داعش منذ سنوات ولا يعرف عنه شيء، وأب مكسور القلب أخبرني أن ابنته أصيبت بأمراض الكلى بسبب شرب المياه المالحة.
في الجانب الأيمن من الموصل، في لحظة كان جنود يجلسون في فناء يتبادلون الضحكات ويتحدثون عن قصص حب زميل لهم. فجأة تغير المشهد تماما، إذ حُملت جثتا جنديين مقتولين عبر باب الفناء ولم يكن اللوح الخشبي الذي حُملت عليه الجثتان عريضا بما يكفي، تدلت يد أحدهما الملطخة بالدماء خارج اللوح، وغطت بطانية بالية الجزء العلوي من جسده، ولم يجف الدم بعد. حتى يومنا هذا، ما زلت أتذكر الجوارب الصفراء التي كان يرتديها.
في الجانب الأيسر من الموصل، رأيت صبيا مراهقا مستلقيا على سرير المستشفى وقال لي مبتسما إنه يحب لعب كرة القدم ويريد أن يصبح طبيبا لمساعدة الآخرين في المستقبل. وقفت والدته بجانب السرير تحاول جاهدة حبس دموعها ووجهها يزداد إحمرارا، وخرجنا من الجناح وقالت الممرضة لنا: "أثناء الحرب، أصابت شظية العمود الفقري للصبي. لن يتمكن أبدًا من الوقوف مرة أخرى. هذه المرة هو هنا لعلاج قرح الفراش".
في دمشق، بعد مرور ساعة على الغارة الجوية، رأيت طفلا محمولا على نقالة مغطى بالغبار، بعد إنقاذه من تحت أنقاض مبنى تم استهدافه. لم أستطع تحمل النظر إلى المشهد أكثر من ذلك. فتراجعت جانبا لإفساح الطريق للفرق الطبية لنقله إلى سيارة الإسعاف. في حلب، التقيت بعائلة قضت 40 يوما دون طهي الطعام، معتمدة فقط على مساعدات الإغاثة للعيش. كان طفلهم، البالغ من العمر 7 سنوات، يعمل بعد المدرسة ليحصل بالكاد على أكثر من دولار واحد في الأسبوع. ورأيت فتى ينبش صناديق القمامة بحثا عن الطعام، وفي الجوار، كان رجل فقد ساقيه على كرسي متحرك يتسول أمام المارة.
في بيروت، كان رجل مسن يحمل كيسا بلاستيكيا يحتوي على ملابسه الوحيدة التي أخذها معه عندما هرب من الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان: منشفة بنية، وقميص أزرق، وقبعة. كان حفيده الصغير ذو السنتين والنصف نائما في زاوية غرفة حجرية تحولت إلى ملجأ مؤقت، غير مدرك لما يحدث حوله.
في أوقات الحروب، يصبح الإنسان كطيف عابر، ضائعا وسط الركام والمعاناة.
كلما زرت حلب، صعدت إلى قلعتها التاريخية في وسط المدينة، حيث استطعت من هناك رؤية المدينة بأكملها واستكشاف آثار الحضارات المختلفة. على مر آلاف السنين، شهدت هذه المدينة صعود وأفول الكثير من الحضارات والعديد من الحروب والدمار، لكنها دائما ما نهضت مجددا ونفضت عنها غبار التعب.
عندما نقوم بتمديد النطاق الزمني، يصبح التاريخ ضبابيًا وقاسيًا. بعد عقود أو قرون من الآن، عندما يتحدث الناس عن الحرب في سوريا، قد لا يتذكرون سوى مجموعة من الأرقام: مئات الآلاف من القتلى وملايين اللاجئين وملايين النازحين. في ذلك الوقت، قد تكون معاناة الناس العاديين في الحرب أصبحت في طي النسيان منذ فترة طويلة.
مررت بساحات الحروب، وسجلت ما شهدته من أحداث، وكتبت قصصا عن معاناة الناس العاديين، وأتمنى ألا تُنسى قسوة الحروب وآلام أولئك الذين عاشوها. وأؤمن بأن نقل هذه القصص إلى العالم هو مهمة تحمل قيمة ومعنى عميقين.








