تحقيق إخباري : ضعف الخدمات الصحية يستنزف حياة الليبيين وأموالهم
طرابلس 15 فبراير2019 (شينخوا) المثل السائد يقول "المصائب لا تأتي فرادا" ، فتعاقب الأزمات الصحية في ليبيا واحدة تلوى الأخرى تكاد لا تنتهي ، مع تفاقم إغلاق العديد من المستشفيات والنقص الحاد في الكوادر الطبية ، وأزمة المهاجرين غير الشرعيين الصحية ، وصولا إلى أزمة نقص مصل سم لدغة العقرب ، وتفشي داء اللشمانيا في البلاد .
مريم كواش طبيبة أطفال ، أوضحت لوكالة أنباء (شينخوا) أن من أهم أسباب تدهور القطاع الصحي في ليبيا ، " من وجهة نظري استمرار النزاع المسلح في ليبيا عمق من تدهور خدمات القطاع الصحي ، فالنظام في ليبيا ضعيف وهش من الأساس ، ولا يقوم على نظم هيكلية صحيحة أو إدارة ناجحة" .
وتابعت كواش ، " نقص الكوادر الطبية في الاختصاصات يمثل مشكلة كبيرة ، فأعداد المرضى يفوق عدد الأطباء ، ليمثل تحدي كبير للأطباء في تقديم الرعاية مع هذا الكم الهائل(...) ، المشاكل تتوالى وصولا إلى غياب الوعي الصحي ، الذي يساهم فيه الأطباء والمرضى على حد سواء ، ويحتاج لورش عمل وندوات لرفع مستوى التوعية" .
كما لفتت إلى تأثير غير مباشر تسبب في هذا التدهور ، بوجود وزارتي للصحة غرب وشرق البلاد .
الجدير بالذكر إن الانقسام السياسي في ليبيا تسبب في وجود حكومتين شرق البلاد موازية ، للحكومة في طرابلس (حكومة الوفاق) للمعترف بها دوليا ، ولكلا منهما وزارة صحة منفصلة.
وكشف تقييم مدى توافر الخدمات الصحية والجاهزية أجرته منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع السلطات الليبية ، أن 17.5% من المستشفيات و20% من مرافق الرعاية الصحية الأولية و18 مستشفى متخصص تعرضت للتدمير الجزئي أو التام ، وأن المرافق التي ما زالت تعمل لا تزال معرضة للهجمات .
كما كشفت المنظمة عام 2018 ويناير 2019، تسجيل أكثر من41 هجوما استهدف العاملين في مجال الصحة والمرافق الصحية .
وقال جعفر حسين، ممثل منظمة الصحة العالمية في ليبيا ، في بيان نشر عبر صفحة المنظمة على (الفيسبوك) ،"خلفت سنوات الصراع في ليبيا وراءها نظام رعاية صحية يصارع للاستمرار ومثقل بالأعباء ، وأغلقت العديد من المرافق الصحية بصورة كاملة أو جزئية ، مما يحد من إمكانية تقديم الخدمات للسكان الذين يواجهون التحديات الناجمة عن الصراع الدائر منذ 8 أعوام".
وناشدت منظمة الصحة العالمية المجتمع الدولي ، تقديم 43.5 مليون دولار العام الجاري ،لتوفير تدخلات منقذة لأرواح 388 ألف شخص لصالح متضرّري الصراع المستمر في ليبيا .
وقال بهذا الصدد ، ممثل منظمة الصحة العالمية في ليبيا ،" الاستثمار في صحة الناس بليبيا أمر حاسم في المستقبل ، لكن إذا لم يتوافر التمويل الكافي، فسوف يترك مئات الآلاف من الناس محرومين من الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها " .
التدهور في الخدمات الصحية في عموم ليبيا ، دفع المرضى التوجه إلى المصحات العلاجية الخاصة ، على أمل الشفاء من أمراضهم افتقدوا علاجها داخل المستشفيات الحكومية.
وقال المواطن (محمد الصبراتي) ، " عند ذهابنا إلى المستشفى الحكومي نتلقى العلاج أحياناً لكن مستوى الخدمات ضعيف جدا ، وغالبا ما يطلب منا إجراء تحاليل أو إحضار الأدوية ومستلزمات خاصة للعمليات الجراحية ، لا تتوفر في المستشفى" .
ومضى في حديثه ، " المصحات الخاصة توفر جزء هام من العلاج ، لكن يوجد بها استغلال كبير ، ويبلغ عدد المرضى الليبيين الذي يقصدون العلاج في تونس قرابة الـ100 ألف شخص سنويا.
وشرحت نادية محمد معاناة والدها الذي تم تشخيص حالته بسرطان في المعدة والذي تقل فرصة علاجه بالداخل ، وهو أمر يواجه آلاف من المصابين العلاج في الخارج ، الأمر الذي دفع السلطات الليبية إلى نقل المئات من الحالات إلى تونس ومصر والأردن ، للتخفيف على العلاج في الداخل .
تقول نادية " أبي أصيب بمرض سرطان القولون منذ 3 أعوام ، بعد تشخيصه من قبل أطباء ليبيين في إحدى المصحات الخاصة ، لكن عائلتي أصرت الذهاب إلى تونس للتأكد ".
وأضافت ،"الأطباء في تونس أكدوا إصابة والدي بالمرض ، وتقرر إجراء عملية له والبدء بالعلاج الكيماوي (...) ، التكاليف باهظة جدا وعلاجه غير متوفر في ليبيا ، ما أدى إلى استنزاف أغلب مدخراتنا ، وتحتم علينا بيع ممتلكاتنا من أجل تسديد فواتير علاجه".
وختمت والمرارة بادية في حديثها ، "مررنا بمعاناة نفسية ومادية شديدة ، وبعد فترة توفر العلاج في ليبيا وتمكنا من الحصول عليه مجانا من مستشفى الأورام ، لكن أحياناً نضطر لإجراء فحوصات وشراء جرعات دواء إضافية على حسابنا" .
"تدهور القطاع الصحي في ليبيا موجود منذ سنين وليس وليد اللحظة ، فمنذ مطلع التسعينيات بدأ القطاع الصحي في التدهور ، خصوصا إبان الحصار الذي فرض على ليبيا آنذاك ، حينها اختلت ثقة المواطن تجاه القطاع الصحي "، هكذا وصف حسين كاموكا ، مدير المعهد القومي للأورام أزمة القطاع الصحي في بلاده .
وأشار كاموكا في مقابلة مع وكالة أنباء (شينخوا) ، " عقب هذه المشاكل المتراكمة سجل تحسن طفيف في تقديم الرعاية الصحية ، لكن للأسف تلك الرؤية لم تكتمل بسبب الحروب في ليبيا" .
ونوه مدير المعهد القومي للأورام ، إلى أن " مشاكل القطاع الصحي عمقها ضعف الخدمات وانقطاع الامداد من مستلزمات طبية وأدوية ، على سبيل المثال تسبب هذا التراجع في تدني خدمات علاج مرضى الاورام ، ما أضطر وزارة الصحة البحث عن بدائل للعلاج في الخارج والداخل " .
وردا عن مدى آمال وفرص تعافي القطاع الصحي بأقرب وقت ، أجاب " القطاع الصحي في ليبيا يحتاج لخطة معدة جيداً ، من إعادة تأهيل هيكلة القطاع وتوفير بنى تحتية ، إلى جانب تدريب العناصر الطبية و الطبية المساعدة والاعداد الاداري ، عندها يمكن تحسين الخدمات على مستوى التشخيص والعلاج (...) ، الفرصة ممكنة " .







