تحقيق إخباري: تنور الطين العراقي موروث شعبي يقاوم الحداثة
بغداد 18 فبراير 2020 (شينخوا) "منذ سنوات شبابي اعتدت، أن اتناول وجبة الإفطار مع ساعات الصباح الأولى، والتي لا تكتمل إلا بوجود رغيف الخبز الحار الذي صنعته لي زوجتي على تنور الطين الذي يتوسط حديقة المنزل"، بهذه الكلمات بدأ جاسم الحمداني ( 65 عاما) من سكان منطقة الراشدية شمالي بغداد، حديثة عن تنور الطين .
وأضاف "أفضل تنور الطين على التنور الحديث الذي يعمل بالغاز أو الكهرباء لأنه يعطي للخبز نكهة خاصة لا تتوفر في الأنواع الأخرى، إذ تؤثر نوعية الخشب المستخدم في إيقاد النار داخل التنور في نكهة الخبز بشكل واضح".
وفي هذا السياق، قال الدكتور، محمد هاشم التدريسي في معهد الصناعات الحرفية والتراثية ببغداد، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن "تنور الطين هو جزء أصيل من التراث الشعبي العراقي، ويعود تاريخه لآلاف السنين، وفي الموروث الشعبي توجد الكثير من المشاهد الحية والعلامات التي تدل على عراقة هذا البلد وأصالة أبنائه ومن بين تلك الموروثات انتشار المهن و الحرف الشعبية ومنها صناعة التنور من الطين".
وأضاف أن هذه المهنة (صناعة تنور الطين) تعد إحدى ابرز الصناعات الشعبية التي عرفت في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى البلدان الأخرى خلال مسيرة التاريخ وتتابع الحضارات وبحسب المعلومات والأبحاث المتوفرة الخاصة بي فأن مدينة الموصل شمالي العراق، كانت أقدم مدينة عرفت صناعة التنور ، حيث مازالت أثار السوق الخاصة بهذه المهنة قائمة حتى اليوم", مشيرا إلى أنه على الرغم من التقدم التكنولوجي الكبير، إلا إن هذه المهنة ما زالت تحتفظ بمكانتها وما زال بعض الناس يزاولونها ويؤكدون بأنهم يستمعون بها كحرفة فنية تراثية, ومصدر للرزق ما زالت الكثير من العائلات تعتمد عليها في تحصيل مصروفاتها اليومية".
وأشار هاشم إلى أن صناعة تنور الطين تنتشر في مختلف مدن العراق من شماله إلى جنوبه وتتركز في المناطق الريفية التي ما زال سكانها يفضلون استخدام تنور الطين على الأفران الحديثة التي تعمل بالكهرباء أو الغاز، وذلك لما يعيطه تنور الطين من نكهة خاصة للخبز والتي تتأثر بنوعية الخشب المستخدم في ايقاده.
ومن جانبه قال، سبطين مجبل (17 عاما) ترك الدراسة لمساعدة والده في صنع التنور الطيني والأواني الفخارية في محلهم الواقع بأطراف منطقة الكاظمية ذات الطبيعة الشعبية شمالي العاصمة بغداد لـ ((شينخوا)) "أعمل في هذه المهنة منذ نحو خمس سنوات مع والدي الذي تعلم المهنة من والده وهو يعمل فيها منذ نحو 50 عاما".
وأضاف أنه على الرغم من الصعوبات التي تواجهها المهنة ولكن هناك محاولات مستمرة لإحيائها، مبينا أن أحد اقاربه يمتلك محلا لصنع تنانير الطين في بغداد أيضا وهناك من أقاربهم من يمارس هذه المهنة في محافظة كربلاء (110 كم) جنوب بغداد.
وحول طريقة عمل التنور وخطوات صناعته، أوضح أنهم يقومون بجلب الطين من منطقة بحر النجف في محافظة النجف (160 كم) جنوب بغداد وهو نوع من الطين يميل لونه إلى الأحمر ويسمى محليا (طين خاوه) ومن ثم يخلط بالتراب النقي والماء ويستمرون بتحريكه إلى أن يصبح بقوام سميك ثم يبدأون بعمل طبقات التنور الواحدة تلو الأخرى حتى يكتمل ومن ثم يترك في الشمس ليجف وبعدها يصبح جاهز للاستعمال.
وأوضح مجبل أنه قد ترك الدراسة لمساعدة والده في هذا العمل الشاق.
اما عباس يحيى عبد (25 عاما) ويعمل في محل لصنع تنور الطين فقال، أعمل في هذه المهنة مع والدي وهي مهنة متوارثة في عائلتنا منذ أكثر من 60 عاما، ونحن نعمل على مواصلة الطريق في مهنة الأباء والأجداد والتي ننظر اليها كجزء من الموروث الشعبي العراقي.
ومن جانبه أوضح سعد صباح (30 عاما) أنه على الرغم من أن صناعة التنور من الطين تعد من الصناعات التراثية القديمة إلا أننا بدأنا ومنذ فترة باستخدام البرامج الحديثة عن طريق الهواتف والحاسبات للترويج لبضائعنا من خلال عرض صور للتنور والأدوات التراثية الأخرى التي نصنعها مثل الجرار والكؤوس المصنوعة من الطين المفخور وعرضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أسعارها وأحجامها لكي يتمكن الزبائن من اختيار ما يحتاجون اليه بكل يسر وسهولة.
وأضاف أن غالبية الزبائن هم من أصحاب المخابز الذين يحتاجون إلى تصنيع تنور بجحم أكبر من تلك التي تستخدم في بعض المنازل، وكذلك المطاعم التي تقدم الدجاج والسمك المشوي على النار لزبائنها، فضلا عن بعض العوائل التي ما زالت تستعمل تنور الطين لعمل الخبز في المنزل، مؤكدا أن تنور الطين ما زال يقاوم الآت صنع الخبز الحديثة وما زل له جمهوره.
وأوضح صباح أن اسعار التنور تختلف بطبيعة الحال مع اختلاف الحجم فالتنور الكبير يباع بمائة الف دينار والمتوسط يباع بخمسين الف دينار والتنور الصغير يباع ما بين 25 إلى 30 الف دينار (الدولار يساوي 1200 دينار).
ووفقا للمصادر التاريخية فأن استخدام التنور الطيني في العراق يعود إلى الحضارات السومرية والبابلية، وهي من الحضارات التي كانت تعطي اهتماما لأفران الخبز والتنانير الطينية، حيث كانت لصناعة الفخار وظيفة واحدة هي تلبية احتياجات الإنسان الذي أخذ يصنع أدواته المستعملة في الحياة اليومية كالتنور والأواني الفخارية والجرار وغيرها من متطلبات الحياة.







