مقالة خاصة: العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران تكشف هشاشة "المخزون الإستراتيجي للذخائر" لدى الجيش الأمريكي

مقالة خاصة: العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران تكشف هشاشة "المخزون الإستراتيجي للذخائر" لدى الجيش الأمريكي

2026-04-04 15:26:16|xhnews

بكين 4 أبريل 2026 (شينخوا) يشير مصطلح "المخزون الإستراتيجي للذخائر" إلى إجمالي كمية الذخائر المخزنة في زمن السلم، والقابلة للنشر السريع في زمن الحرب، وبالأخص الذخائر المتطورة مثل الأسلحة الموجهة بدقة، والصواريخ الاعتراضية المخصصة للدفاع الجوي، وصواريخ كروز بعيدة المدى، بما يشمل كل من حجم المخزون القائم والقدرة على زيادته.

وتُظهر العمليات العسكرية الجارية غير المحسومة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على الفوز في حرب حديثة قصيرة وعنيفة، لكنها تواجه صعوبة في التعامل مع صراع مسلح طويل الأمد، ومتعدد الجبهات، وعالي الاستنزاف بشكل مستمر. وتعود هشاشة "المخزون الإستراتيجي للذخائر" لدى الجيش الأمريكي إلى معضلة منهجية مركبة ناتجة عن تداخل عوامل متعددة تشمل الافتراضات الإستراتيجية، والبنية الصناعية، وأعباء التحالفات، وعيوب النظام.

-- الذخائر المتطورة تشهد استهلاكا يفوق الإمداد

بعد نهاية الحرب الباردة، كان الجيش الأمريكي واثقا من قدرته على تحقيق نتائج حاسمة في غضون أسابيع من خلال السيطرة على المجال الجوي وتوجيه ضربات دقيقة. وركز تصوره العملياتي على "الغارات الجوية المكثفة قصيرة الأمد، والإنهاء السريع للعمليات"، ومالت خططه للاستعداد القتالي إلى دعم هذا النمط.

بيد أن استمرار العمليات ضد إيران كشف بشكل جلي هشاشة "المخزون الإستراتيجي للذخائر" لدى الجيش الأمريكي. فحرب الاستنزاف عالية الكثافة هذه، التي تقودها طائرات مسيرة رخيصة وصواريخ منخفضة التكلفة، جعلت بنية مخزون الذخائر لدى الجيش الأمريكي، المصمم أساسا لتحقيق "الحسم السريع" غير قادرة على تلبية الاحتياجات الواقعية.

فقد شهدت الذخائر الهجومية المتطورة لدى الجيش الأمريكي فجوة كبيرة، حيث أشارت تقارير إعلامية أمريكية إلى أن الجيش الأمريكي أطلق أكثر من 400 صاروخ كروز من طراز "توماهوك" من منصات بحرية في الأيام الثلاثة الأولى من العمليات العسكرية ضد إيران، بينما كانت الحكومة الأمريكية تقتصر أحيانا على شراء من 90 إلى 100 صاروخ "توماهوك" سنويا. وعلى الرغم من تعهد الشركات المعنية بزيادة الإنتاج السنوي لصواريخ "توماهوك" إلى 1000 صاروخ، إلا أن البحرية الأمريكية لم تقم سوي بشراء 57 صاروخا فقط ضمن ميزانية السنة المالية 2026.

كما يسير توريد صواريخ جو-أرض المشتركة (JASSM) التي تُطلق من خارج منطقة الدفاع المضاد للطائرات بنفس البطء. فقد أفادت الشركات المعنية في سبتمبر 2024 بأن القدرة الإنتاجية السنوية آنذاك بلغت حوالي 720 صاروخا، وكانت تسعى جاهدة لرفعها إلى 1100 صاروخ. أما المخزون الحالي لدى الجيش الأمريكي من الصواريخ بعيدة المدى المضادة للسفن (LRASM) فلا يزال أقل بكثير من المستوى المثالي.

وعلى صعيد الدفاع، تواجه الذخائر الدفاعية لدى الجيش الأمريكي "قصورا"، إذ تبين أن الصواريخ الاعتراضية في منظومات "ثاد" و"باتريوت" و"ستاندرد-6" تسجل جميعها نقصا في المخزون بسبب الاستهلاك السريع خلال العمليات العسكرية.

-- احتكار الصناعة العسكرية يزرع بذور الهشاشة

من منظور التصميم المؤسسي، تُعزى هشاشة "المخزون الإستراتيجي للذخائر" لدى الجيش الأمريكي إلى الإفراط في دمج شركات الصناعات الدفاعية في أواخر القرن العشرين، وإلى الإدارة الدقيقة للإنتاج العسكري وفق مبدأ "عدم الاحتفاظ بمخزونات في المستودعات".

في ذلك الوقت، كانت فلسفة التحكم الدقيق في التكاليف رائجة في الأوساط التجارية ونُقلت إلى الإنتاج العسكري، بحيث لا يُحتفظ بمخزون في أوقات السلم، ويتم إنتاج الكمية المطلوبة فقط حسب الطلب، دون وجود أي فائض في المستودعات.

وتحت توجيه هذه الفلسفة، حافظت العديد من الذخائر والمنصات الرئيسية خلال السنوات العشر الماضية على إنتاج منخفض السرعة أو توقفت تماما عن الإنتاج. وعند اندلاع الحرب، يستغرق الأمر سنوات من أجل إعادة إنشاء شبكة التوريد، واستعادة المعدات المتخصصة، وتدريب العمال، والحصول على جميع شهادات المواصفات العسكرية.

يزيد هذا النهج، المصحوب بنظام الميزانية السنوي ودورة المشاريع، من حدة التقلبات الواضحة في مشتريات الذخائر لدى الجيش الأمريكي على مدى سنوات: ففي بعض السنوات تجري زيادة المشتريات، ثم يتم خفض حجمها بعد ذلك سريعا، مما يجعل من الصعوبة بمكان على الشركات الحفاظ على طاقة إنتاجية عالية على المدى الطويل في مثل هذه البيئة المتقلبة. وغالبا ما تُضاف طلبيات ضخمة بشكل طارئ بعدما تتكشف هذه الهشاشة، إلا أنه بدءا من توقيع العقد وحتى تفعيل الطاقة الإنتاجية، يمر وقت يُقاس بالسنوات، مما يجعل من الصعب سد فجوات الأسلحة في ساحة المعركة في الوقت الفعلي.

-- الأمراض المزمنة في الصناعة تفاقم هشاشة المخزون

علاوة على ذلك، وقعت صناعة الدفاع الأمريكية، التي تحتكرها قلة قليلة، في ثلاث معضلات، مما أدى إلى تفاقم هشاشة "المخزون الإستراتيجي للذخائر".

أولا: الطابع المالي المفرط للصناعة العسكرية. فأرباح شركات الصناعات الدفاعية الكبرى الأمريكية تأتي من "تطوير المشاريع والإنتاج بكميات محدودة" وبأسعار مرتفعة لكل وحدة، وليس من الذخائر التقليدية منخفضة التكلفة التي تُستهلك بكميات كبيرة في وقت الحرب.

ثانيا: تشوّه بيئة الصناعة العسكرية نتيجة تآكل قطاع الصناعة التحويلية. فقد أدى الإفراط في "إضفاء الطابع المالي" إلى تآكل الصناعة التحويلية، مما أدى بدوره إلى تشوّه بيئة الصناعة العسكرية.

ثالثا: حدوث فجوة في الكوادر العاملة بالصناعة العسكرية. فهشاشة "المخزون الإستراتيجي للذخائر" تنبع في المقام الأول من نقص الكوادر المتخصصة. فقد أشار تقرير صادر عن بنك ((جي بي مورغان تشيس)) الأمريكي في ديسمبر 2025 إلى أن نقص العمالة الماهرة يشكل خطرا على الأمن القومي.

-- الإفراط في التسلح يضعف قوة الهيمنة

خلال الثلاثين عاما الماضية، انخرطت الولايات المتحدة في التسلح المفرط وخوض الحروب بشكل مستمر، حيث كانت كل عملية عسكرية تستنزف ذخائر ومعدات الجيش الأمريكي، دون أن يتم تعويض "مخزون الذخائر" بنفس السرعة. وعندما ينفد "مخزون الذخائر" لدى حلفاء الولايات المتحدة، فإنهم يلتمسون المساعدة أيضا من الولايات المتحدة، مستنزفين بذلك مخزونها الإستراتيجي.

وعلى مدى عقود، سمحت الولايات المتحدة بل وشجعت حلفاءها على الاكتفاء بـ"حد أدنى من الصناعة الدفاعية"، والاعتماد على الإمدادات العسكرية الأمريكية، وهو أمر يدفع الحلفاء إلى الخضوع لإرادة الولايات المتحدة. ولكن، عندما يشارك عدد من الحلفاء في حرب واحدة في الوقت نفسه، يتحول هذا الاعتماد الهيكلي إلى فخ هيكلي.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت القواعد العسكرية الأمريكية الخارجية، باعتبارها عاملا رئيسيا في الحفاظ على الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة، "بوابات استنزاف ضخمة". فالعمليات ضد إيران تشير أن أي عمل عسكري تشنه الولايات المتحدة قد يجعل كل قاعدة عسكرية أمريكية في الخارج هدفا محتملا، بحيث يتجاوز نطاق الحماية المطلوب حدود الأراضي الأمريكية بكثير، وقد تفوق أعداد الصواريخ الاعتراضية المطلوبة قدرة الولايات المتحدة على التحمل.

وأشار المراقبون إلى أن عيوب النظام السياسي الأمريكي تساهم أيضا في تفاقم هشاشة "المخزون الإستراتيجي للذخائر". فالنظام الانتخابي الأمريكي يجعل منظومة الدفاع الأمريكية مقيدة بدورات الانتخابات التي يتم إجراؤها كل أربع سنوات، مما يجعل الاستثمار في إعادة بناء الصناعة الدفاعية على المدى الطويل أمرا صعبا، قد يمتد لعقد من الزمن أو أكثر. 

الصور