تقرير إخباري: السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب.. بلدٌ منهك بين رماد الدمار وآمال التعافي

تقرير إخباري: السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب.. بلدٌ منهك بين رماد الدمار وآمال التعافي

2026-04-15 18:28:45|xhnews

الخرطوم 15 أبريل 2026 (شينخوا) بينما تكمل الحرب في السودان اليوم عامها الثالث، تبدو البلاد وكأنها عالقة في حلقة مفرغة من العنف، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل مشهد معقد تتداخل فيه خطوط السيطرة، وتتعمق فيه الكلفة السياسية والإنسانية يوما بعد يوم.

فالحرب التي اندلعت بصورة مباغتة في 15 أبريل 2023، تحولت مع الوقت إلى صراع طويل الأمد، يعيد تشكيل الجغرافيا والسكان وموازين القوى، دون أن يلوح في الأفق حل قريب.

وتعاني البلاد من شبح انقسام سياسي، في ظل خريطة سيطرة عسكرية منقسمة ومعارك لا تزال مفتوحة، بينما تتفاقم أزمة إنسانية توصف بأنها الأكبر عالميا، وسط تعثر مستمر لجهود التسوية السياسية.

 

-- انقسام سياسي يهدد وحدة البلاد

سياسيا، يواجه السودان حالة انقسام حاد، في ظل وجود حكومة معترف بها دوليا ومدعومة من الجيش السوداني، تقابلها سلطة موازية أعلنتها قوات الدعم السريع بالتحالف مع مجموعات عسكرية وسياسية.

ويرى محللون أن هذا الوضع لا يعكس توازنا بين طرفين بقدر ما يعمّق الأزمة ويطيل أمد الصراع، بل يثير مخاوف متزايدة من سيناريوهات قد تقود إلى تفكك البلاد على غرار تجارب إقليمية.

وقال المحلل السياسي السوداني صلاح شعيب في تصريح خاص لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن "استمرار وجود سلطتين متوازيتين يعكس غياب مركز قرار موحد، ويخلق بيئة سياسية هشة يصعب معها الوصول إلى تسوية شاملة".

وأضاف أن "تضارب المصالح الداخلية وتعدد الفاعلين الإقليميين يزيدان من تعقيد المشهد، ويحولان دون بلورة مبادرة سياسية فعالة".

وتابع أن "أي مسار للحل يتطلب توافقا سياسيا واسعا يتجاوز ثنائية الصراع العسكري، ويؤسس لمرحلة انتقالية تعالج جذور الأزمة، وهو أمر لا يزال بعيد المنال في ظل المعطيات الحالية".

 

-- خريطة عسكرية منقسمة ومعارك مفتوحة

ميدانيا، تكشف خريطة السيطرة عن انقسام جغرافي واضح، إذ يسيطر الجيش بشكل كامل على 9 ولايات من أصل 18، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على 6 ولايات، تشمل إقليم دارفور المكون من خمس ولايات، إضافة إلى ولاية غرب كردفان.

أما الولايات الثلاث المتبقية، وهي جنوب كردفان، شمال كردفان، والنيل الأزرق، فتظل ساحات قتال مفتوحة، حيث يحتفظ الجيش بالسيطرة على العواصم الرئيسية لهذه الولايات، في حين تنتشر قوات الدعم السريع في الأرياف والمناطق المحيطة، مما يجعل خطوط التماس نشطة ومتغيرة باستمرار.

وقال الخبير العسكري السوداني عبد الجليل إسماعيل لـ((شينخوا)) إن "التحول في نمط القتال خلال السنوات الثلاث الماضية أدى إلى اتساع رقعة المواجهات وتعقيدها، حيث لم تعد الحرب تدار عبر جبهات تقليدية، بل عبر انتشار مرن في مناطق متعددة، خاصة في كردفان ودارفور".

وأضاف أن "تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والقصف بعيد المدى أسهم في نقل المعارك إلى عمق المناطق السكنية، ما ضاعف من الخسائر البشرية وأثر بشكل مباشر على حياة المدنيين".

 

-- الكارثة الإنسانية مستمرة

إنسانيا، انعكست هذه التطورات بشكل مباشر على المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم في قلب الصراع، بين نزوح مستمر وعودة محفوفة بالمخاطر.

وفي بيان صدر اليوم (الأربعاء) قالت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة والمنسقة للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون "بعد ثلاث سنوات من هذه الحرب المدمرة، لا يزال شعب السودان يواجه أزمة إنسانية هائلة ومعاناة لا تُطاق، تفوق بكثير ما يمكن أن يتحمله أي شعب مدني".

وأضافت "اليوم، يحتاج ما يقرب من 34 مليون شخص في السودان إلى مساعدات إنسانية، وهو أعلى رقم في العالم".

وتابعت "في جميع أنحاء البلاد، يدفع المدنيون الثمن الأغلى، فقد دُمرت المنازل والأسواق والمستشفيات والمدارس. وأصبحت غارات الطائرات المسيرة واقعا يوميا في المناطق المأهولة، مما أسفر عن مقتل مدنيين وتدمير البنية التحتية المدنية وزيادة الخوف".

وفي ذكرى إكمال الحرب عامها الثالث، أطلق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) نداء تحت شعار "ثلاث سنين كفاية"، داعيا إلى وقف فوري للحرب.

وقالت المنظمة في بيان صحفي بمناسبة الذكرى الثالثة "ثلاث سنوات طويلة جدا، ملايين الأرواح تتمزق، والعالم لا يزال لا يولي اهتماما كافيا".

ووفقا لأوتشا فإن 29 مليون شخص يكافحون للحصول على ما يكفي من الغذاء، فيما لا يزال العديد من المناطق معرضة للخطر.

كما أن 33.7 مليون شخص بحاجة إلى دعم إنساني، وهذا أكثر من ثلثي عدد السكان، وهو أكبر عدد من المحتاجين في أي دولة في العالم حاليا.

من جهتها أفادت منظمة الهجرة الدولية في إحصائية أخيرة لها صدرت في 13 أبريل الجاري، بأن نحو 3.99 مليون سوداني من النازحين داخليا وخارجيا عادوا إلى مناطقهم، من بينهم 3.330.680 عادوا من النزوح الداخلي و663.339 عادوا من دول الجوار.

وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من نصف النازحين والعائدين هم من الأطفال، في مؤشر يعكس عمق التأثير الاجتماعي للأزمة.

كما أظهرت الاتجاهات الأخيرة انخفاضا طفيفا في أعداد النازحين مقارنة بالذروة، ومقابل زيادة محدودة في أعداد العائدين، فإن تدفقات النزوح لا تزال مستمرة، خاصة في مناطق النزاع النشط في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

فيما حذرت ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في السودان ماري هيلين فيرنيه، في إفادة لها في العاشر من أبريل الجاري، من أن الأزمة تتجه نحو مزيد من التعقيد مع دخولها عامها الرابع.

وقالت إن "المعارك لا تزال مستعرة في أجزاء واسعة من البلاد، مما يؤدي إلى موجات نزوح جديدة وإطالة أمد المعاناة اليومية لملايين الأشخاص دون أفق واضح لنهايتها".

وأضافت أن نحو 14 مليون شخص أُجبروا على الفرار منذ اندلاع الحرب، بينهم تسعة ملايين نازح داخلي و4.4 مليون لاجئ عبر الحدود، ما يعني أن واحدا من كل أربعة سودانيين أصبح في عداد النازحين.

وأشارت إلى أن العنف لا يزال منتشرا في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مع تصاعد القصف الجوي واستخدام الطائرات المسيّرة، ما أدى إلى زيادة أعداد الفارين، وفي المقابل، يعود بعض النازحين إلى مناطق انخفضت فيها حدة القتال، خاصة في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، رغم الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وحذرت من أن الاستجابة الإنسانية تعاني من نقص حاد في التمويل، حيث لم يتم توفير سوى 16% من التمويل المطلوب داخل السودان، و8% فقط للاستجابة الإقليمية لأزمة اللاجئين، ما يهدد بتفاقم الأوضاع في الأشهر المقبلة.

 

-- جمود سياسي وآفاق غامضة

على الصعيد السياسي، لم تحقق المبادرات المطروحة أي تقدم ملموس، إذ تعثرت جهود التسوية السياسية، في ظل تمسك الأطراف بمواقفها واستمرار العمليات العسكرية، إلى جانب تباين المواقف الدولية والإقليمية.

وقال الباحث السوداني في شؤون النزاعات ناجي عجيب لـ((شينخوا)) إن "السودان دخل مرحلة من الجمود القتالي، حيث لا يمتلك أي طرف القدرة على الحسم، وفي الوقت ذاته لا توجد إرادة سياسية كافية للتوصل إلى تسوية".

وأضاف أن "المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار المعارك بوتيرة متقطعة، مع تغييرات محدودة في خريطة السيطرة، دون تحول جذري، إلى أن تتشكل معادلة سياسية جديدة تفرض مسارا مختلفا".

في المحصلة، يقف السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب عند مفترق طرق حرج، بلد أنهكته الحرب، وتآكلت فيه مؤسسات الدولة، وتعمقت فيه معاناة السكان، بينما تبقى فرص السلام رهينة بتوازنات معقدة لم تنضج بعد.

الصور