مقالة خاصة: عودة حذرة إلى جنوب لبنان بعد سريان وقف إطلاق النار
مرجعيون، جنوب لبنان 17 أبريل 2026 (شينخوا) منذ ساعات الصباح الأولى اليوم (الجمعة) بدأت موجات من النازحين اللبنانيين العودة تدريجيًا إلى بلداتهم في جنوب لبنان بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين حزب الله والجيش الإسرائيلي.
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ عند الساعة الثانية عشرة من منتصف ليل الخميس - الجمعة بتوقيت لبنان، ولمدة عشرة أيام.
ورغم تسجيل "عدد من الخروقات" للاتفاق، بدت حركة السير على الطرقات الرئيسية المؤدية إلى جنوب لبنان خانقة وبطيئة.
وامتدت طوابير طويلة من السيارات العائدة، بعضها محمّل على عجل بفرش وأغطية وحقائب صغيرة وأغراض شخصية كأنها عودة مؤجلة أكثر منها استقرارًا نهائيًا.
وتداخلت قوافل العائدين مع شاحنات الإغاثة وآليات الجيش اللبناني والدفاع المدني التي بدأت ترميم جسورا مدمرة وفتح طرقات وتقييم الأضرار.
ومع هذا الازدحام، لم تكن الطرق إلى الجنوب "سالكة بالكامل"، وفق الخمسيني حسان شحادة، الذي غادر باكرًا مع عائلته بسيارته المتهالكة عائدًا إلى بلدته كفرتبنيت التابعة لمدينة النبطية.
وقال شحادة لوكالة أنباء ((شينخوا)) "إن الطرقات الرئيسية والفرعية تعرضت لحفر عميقة ناجمة عن الغارات والقصف المدفعي، ما اضطر السائقين إلى التقدم ببطء شديد أو سلوك مسارات جانبية غير مهيأة".
وتعمل فرق من الجيش والدفاع المدني على ردم هذه الحفر وإعادة فتح الشرايين الأساسية بين القرى، وفق شحادة.
وقال الجيش اللبناني في بيان إن وحدة مختصة تعمل على فتح جسر القاسمية البحري - صور بالكامل بالتعاون مع البلديات وجمعيات أهلية بعدما استهدفه الخميس هجوم إسرائيلي، مشيرا إلى تمركز إحدى وحداته في محيط الجسر.
وأظهر مقطع فيديو نشره الجيش آليات وجرافات تعمل على ردم حفر خلفها الهجوم في الجسر الأخير، الذي كان يربط بين منطقة جنوب نهر الليطاني وشماله.
وخلال الحرب شنت إسرائيل هجمات على جميع الجسور فوق نهر الليطاني لمنع حزب الله من استخدامها في عبور مسلحيه ونقل الأسلحة.
وفي مدينة النبطية، واجه العائدون بحزن الدمار الكبير في أحيائها وأسواقها ومؤسساتها.
وقالت الأربعينية رنا نصر الله بصوت منخفض، وهي تقف أمام منزلها الذي تحول إلى كومة ركام عند المدخل الغربي للمدينة "هذا البيت بنيته مع زوجي بعد عمر من الغربة في كندا".
وأضافت وهي تنظر إلى الحجارة المتناثرة "لم يبق من جنى العمر شيء سوى الذاكرة".
وفي شارع قريب، جلست الستينية فاطمة محيو، مع أولادها الثلاثة أمام منزلها المتضرر تمرر يدها على جدار متشقق كأنها تتحقق من أنه ما زال قائمًا.
وقالت محيو لـ((شينخوا)) "نحمد الله أن البيت ما زال قائمًا، لكن لا يمكن العيش فيه" قبل أن تجمع بعض الأغراض وتغادر مجددًا إلى مركز إيواء في منطقة الشوف بجبل لبنان "إلى حين اتضاح ما سيحدث".
وفي منطقة جبل الريحان التابعة لمدينة النبطية، بدت العودة أقل حدة، لكنها لم تخل من الصدمة، إذ دخلت عائلات إلى منازلها لتجدها مغطاة بالغبار أو متضررة جزئيًا.
وقال كامل الحاج "50 بالمائة من المنازل مدمرة وأخرى متصدعة، لكن أصحابها قرروا العودة مهما كانت الصعاب، فالدمار هنا أفضل بكثير من النزوح".
وبعد وقت قصير من سريان وقف إطلاق النار، دعا الجيش اللبناني المواطنين إلى "التريّث في العودة إلى القرى والبلدات الجنوبية، وذلك في ظل عدد من الخروقات للاتفاق".
وأشار إلى تسجيل "عدد من الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى قصف متقطع يطال عددًا من القرى"، وحث المواطنين على "تجنب الاقتراب من المناطق الخطرة".
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن "قصفا مدفعيا" بخمس قذائف استهدف بلدة الخيام "في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار".
وقال مصدر أمني لبناني لـ((شينخوا)) إن الجيش الإسرائيلي أطلق عدة قذائف مدفعية باتجاه الطرف الشمالي الشرقي من بلدة الخيام، بالتزامن مع تحليق مكثف لطائراته في أجواء المنطقة الحدودية في جنوب وشرق لبنان.
وسُجل أول خرق لوقف إطلاق النار بعد نحو 20 دقيقة من سريانه، إذ أطلق الجيش الإسرائيلي ثماني قذائف مدفعية باتجاه بلدات دبين وبلاط وأطراف بلدة الخيام ضمن نطاق قضاء مرجعيون، بحسب مصدر أمني لبناني.
ورغم الخروقات عادت عائلات لتفقد منازلها في بلدات قضاء مرجعيون.
وقال اللبناني عبدو ضاهر من بلدة دبين "نعرف أن منازلنا باتت غير صالحة للسكن، دخلنا لنرى فقط ما حل بديارنا، ولم ندخل لنعود"، موضحًا أنه جمع أوراقًا وبعض الأغراض ثم غادر سريعًا.
وعند المدخل الشرقي لبلدة الخيام، التي يسيطر الجيش الإسرائيلي على معظمها، وقف الشاب الثلاثيني حامد عبد الله أمام حفرة كبيرة تفصل البلدة عن محيطها، قائلا "كل شيء تبدل هنا، لم نعد نعرف شوارعنا ولا حدود أرضنا".
وأضاف "دخلت سيرًا على الأقدام إلى منزلنا الواقع عند أول البلدة من جهة مرجعيون، فوجدته متضررًا وغير صالح للسكن، جمعت القليل من الأغراض وغادرت بسرعة وصمت".
ورغم وقف إطلاق النار لم يتمكن آلاف النازحين من الوصول إلى بلدات الخط الحدودي الأمامية، ومن بينها عيتا الشعب وميس الجبل وكفركلا وحولا ومركبا ورب ثلاثين وغيرها، إذ حال وجود قوات إسرائيلية في العديد من التلال الحاكمة والنقاط دون دخول وعودة هؤلاء.
وقال جمال علوان من بلدة مركبا لـ((شينخوا)) إن العائدين إلى هذه البلدات وقفوا على مسافات بعيدة يراقبون منازلهم بصمت ثقيل، فيما بدت معظم الأحياء شبه غائبة خلف الدمار.
ووصف الشاب الثلاثيني جلال شيت، العودة إلى قرى الخط الأمامي بأنها "محفوفة بالخطر الشديد، بل مستحيلة في الوقت الحاضر، وعلينا انتظار التطورات الميدانية وخاصة السياسية المقبلة".
ووجه الجيش الإسرائيلي اليوم رسالة عاجلة إلى سكان جنوب لبنان مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، داعيا إلى عدم الانتقال إلى جنوب نهر الليطاني.
وقال الجيش في بيان إنه "يواصل تمركزه في مواقعه في جنوب لبنان في مواجهة النشاطات الإرهابية المستمرة لحزب الله"، مضيفا "حرصًا على سلامتكم وسلامة أبناء عائلاتكم - وحتى إشعار آخر - يُطلب منكم عدم الانتقال إلى جنوب نهر الليطاني".
ويبدو أن قرار العودة النهائية "ما زال سابقًا لأوانه" بالنسبة للشاب حسان صادق.
وقال صادق وهو من بلدة ميس الجبل إن قراره يأتي "في ظل حجم الدمار وغياب صورة واضحة حول جاهزية القرى للسكن، إضافة إلى استمرار الحذر من أي تطورات ميدانية رغم وقف إطلاق النار".






