رسالة من الشرق الأوسط: بعد 3 سنوات من الحرب في السودان... بيوت تستعاد بلا حياة ونزوح يمضي بلا نهاية

رسالة من الشرق الأوسط: بعد 3 سنوات من الحرب في السودان... بيوت تستعاد بلا حياة ونزوح يمضي بلا نهاية

2026-04-17 01:34:45|xhnews

الخرطوم 16 أبريل 2026 (شينخوا) يخيم صمت ثقيل على حي الإنقاذ جنوبي العاصمة السودانية الخرطوم، حيث تبدو المباني المتضررة شاهدة على آثار الحرب، بجدران متصدعة وأخرى مائلة، بينما يتسلل ضوء الصباح كاشفا حجم الدمار الذي طال أحياء كانت تعج بالحياة، ولا يُسمع في المكان سوى وقع خطوات متباعدة وأصوات خافتة.

ومع مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، ما زالت آثار النزاع حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية بالخرطوم، حيث تبدو المدينة وكأنها تعيش تداعيات الصراع أكثر مما تستعيده من الذاكرة، في ظل استمرار التحديات الأمنية والخدمية.

في الناحية الشمالية من حي الإنقاذ، كان عبد الله آدم يقف وسط ما تبقّى من منزله، محاطا بجدران مدمرة وسقف مفتوح على السماء، وعند قدميه تتناثر الحجارة، وتتدلى أسلاك محترقة من زوايا الغرف.

وبينما يزيح بقدمه قطعة من الركام، قال بصوت خافت "هنا كنا نجلس كل مساء، هنا كانت ضحكات أطفالي تملأ البيت، وهذه الزاوية كانت غرفتهم، الآن، لا شيء سوى هذا الصمت".

لم يكن يتحدث عن بيت فقط، بل عن حياة كاملة انقطعت فجأة، مرّر يده على الجدار المتشقق، ثم أضاف "البيت لم يكن مجرد جدران، كان أمانا، كان حياتنا كلها، اليوم أقف فيه كغريب، لقد عدنا ونحن نظن أن العودة بداية، لكننا وجدنا أنفسنا نبدأ من لا شيء".

وكان عبد الله قد عاد قريبا إلى الخرطوم بعد شهور من النزوح في مدينة بورتسودان بشرقي السودان، مدفوعا بالرغبة في العودة رغم التحديات، إذ لا تزال الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء محدودة أو منعدمة في بعض المناطق.

وتتزايد عودة المواطنين الي العاصمة السودانية الخرطوم التي انطلقت منها شرارة المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في 15 أبريل 2023.

وفي أحدث احصائية لمنظمة الهجرة الدولية صدر في 13 أبريل الجاري، فقد عاد نحو 3.99 مليون سوداني من النازحين داخليا وخارجيا، مما أدى إلى انخفاض عدد النازحين بنسبة 24.4% مقارنة بأعلى عدد سُجل في يناير 2025.

ورغم التحسن النسبي في الوضع الأمني، وعودة التيار الكهربائي إلى مناطق واسعة من وسط وشمالي وشرقي السودان، واستعادة الخدمات العلاجية في عدد من المستشفيات الحكومية، إلا أن العائدين، ما زالوا يواجهون تحديات كارثية، تتمثل في الدمار الواسع للبنية التحتية، وانعدام خدمات أساسية في بعض المناطق، إلى جانب مخاطر أمنية مستمرة وشح فرص العمل.

وفي الطريق إلى السوق المركزي، أحد أشهر الأسواق جنوبي الخرطوم، بدا المكان مختلفا عمّا كان عليه سابقا، حيث أغلقت العديد من المحال، وخفّت الحركة، وقل عدد المترددين.

وفي ركن قصي من السوق، جلست عائشة عبد الماجد على الأرض، ترتب خضراوات قليلة فوق قطعة قماش قديمة، ومن حولها ضجيج خافت لبائعين متفرقين، وروائح تختلط فيها رائحة الغبار ببقايا الطعام.

وكانت عائشة قد عادت إلى الخرطوم في يناير الماضي، بعد رحلة نزوح إلى ولاية كسلا لأكثر من عامين، وتشير إلى أن حياتها قبل الحرب كانت مستقرة، حيث كانت تدير متجرا لبيع الملابس، وتضيف "اليوم أجلس هنا، على الأرض، لا دكان، لا رأس مال، والوظائف شبه معدومة، وكل شيء أصبح غاليا بشكل لا يحتمل".

وبينما تراقب المارة الذين يعبرون دون اكتراث، تضيف "أنا مسؤولة عن أربعة أطفال، منذ بدأت الحرب اختفى زوجي، لا أعرف إن كان حيا أم ميتا، فقط غياب مفتوح على كل الاحتمالات".

ولم تقتصر معاناة عائشة على سبل العيش، بل امتدت إلى تدهور الوضع الصحي، فالأمراض، مثل الملاريا وحمى الضنك، تنتشر على نطاق واسع في ظل غياب معظم الخدمات الطبية، باستثناء مستشفى واحد، وقالت " أصيب ابن أختي بحمى الضنك قبل أشهر، ومع تدهور حالته وعدم توفر علاج كاف، اضطررنا لنقله إلى أم درمان رغم صعوبة الطريق وارتفاع التكلفة".

وتعكس هذه الشهادات واقعا يواجهه كثير من العائدين، حيث تبدو الأرقام التي تشير إلى عودة الملايين متباينة مع التحديات الميدانية، في ظل بطء التعافي واستمرار آثار الحرب.

ومنذ عودة الحكومة إلى إدارة شؤونها من داخل الخرطوم مطلع هذا العام، عقب إعلان خلو المدينة من قوات الدعم السريع في مايو 2025، بدا وكأن الخرطوم تستعيد فرصة جديدة، غير أن هذه الفرصة ما تزال هشّة، مثقلةً بآثار الحرب وندوبها العميقة.

وتظهر في أنحاء متفرقة من المدينة آثار دمار واسع، شملت جسورا وبنى تحتية رئيسية، إلى جانب تراجع خدمات المياه والكهرباء، وخروج عدد من المرافق الصحية عن الخدمة، في حين تعمل أخرى بإمكانات محدودة، ورغم ذلك، تسجل بعض الأحياء بالخرطوم محاولات تدريجية لعودة النشاط، مع إعادة فتح محال تجارية وعودة محدودة للحركة اليومية.

وفي المقابل، يبدو المشهد في غرب السودان مختلفا، إذ تتصاعد حدة المواجهات في إقليمي كردفان ودارفور، مع تزايد الهجمات على المدنيين والمرافق الحيوية، واتساع رقعة النزاع، وتشهد مناطق واسعة موجات نزوح مستمرة، حيث تغادر الأسر قراها تحت ضغط العمليات العسكرية، متجهة إلى مناطق أكثر أمانا أو إلى مراكز إيواء تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

ومنذ أكتوبر 2025، يشهد إقليم كردفان تصعيدا عسكريا ملحوظا، مع تداخل خطوط القتال وتكرار القصف على مدن ومؤسسات مدنية، بما في ذلك مرافق صحية، ما يزيد من تعقيد الوضع الإنساني.

ففي مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان والتي تشكل جبهة قتالية متصاعدة، وهي المدينة التي ظلت محاصرة لنحو عامين من الصراع، تحكي المواطنة أسماء حسن عبر الهاتف، قصة فقدانها لمنزلها وكيف تحولت للعيش في مركز للإيواء داخل المدينة.

وقالت بصوت منخفض، إنها فقدت منزلها الذي تدمر بالكامل نتيجة هجوم بطائرة مسيرة وقع في فبراير الماضي، ولكن الخسارة الأكبر تمثل في فقدانها لأحفادها الثلاثة، ثم تابعت "كنت خارج المنزل حين وقع القصف علي المنزل، وأعقبه اندلاع نيران كثيفة، ركضت نحو الغرفة حيث كان أحفادي الثلاثة، لكن النار كانت أسرع مني، فقد احترقوا ولم نتمكن من الوصول إليهم بسبب كثافة النيران والدخان".

وفي أقصى غربي البلاد، وتحديدا في مدينة الطينة بولاية شمال دارفور على الحدود مع تشاد، تتواصل حركة النزوح بشكل يومي، حيث تغادر أعداد من السكان المدينة أو تتجمع عند أطرافها، في ظل توسع مخيمات النزوح.

وعبر الهاتف قال النازح تاج السر آدم، إنه فرّ من الطينة وسار مع أسرته عبر أودية موسمية وأراض صحراوية قاسية قبل أن يصل إلى بلدة كرنوي، الواقعة على بعد نحو 48 كيلومترا شرق الطينة.

يروي أنه كان يعمل تاجرا في الطينة، لكنه اضطر لترك عمله خوفا على أسرته مع تصاعد المواجهات المسلحة، وتصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة، ويضيف أنه فقد بعض أقاربه خلال تلك الأحداث، وأن من بينهم تجارا كانوا يعملون معه في السوق، حيث قُتل ما يزيد عن 12 تاجرا في قصف واحد استهدف سوقا للوقود في المدينة مؤخرا.

وفي مناطق واسعة من السودان تتواصل موجات النزوح بلا انقطاع، حيث تمتد صفوف طويلة من الخيام على أطراف المدن والقرى، كمدن مؤقتة ولدت من رحم الحرب.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب، تتشكل صورة معقدة للوضع في السودان، حيث تتباين المشاهد بين عودة جزئية للحياة في بعض المناطق، واستمرار النزوح والتدهور في مناطق أخرى.

وتعكس هذه التطورات واقعا إنسانيا مشتركا، يتمثل في الخسائر التي طالت السكان، سواء من عادوا إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الحياة، أو من ما زالوا يواجهون النزوح، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تسوية قريبة للنزاع. /نهاية الخبر/

الصور