مقالة خاصة: "الناس للناس"... شعار للإغاثة الذاتية في لبنان
بيروت 17 أبريل 2026 (شينخوا) فرت جنى فتوني وأفراد عائلتها من منزلهم في الضاحية الجنوبية ليلا، بعد أن شنت الطائرات الإسرائيلية غارات على بيروت في الثاني من مارس الماضي. وفي غضون أيام، انضمت إلى فريق المتطوعين في مطعم "رصيف" الواقع على شارع الحمرا، للمساعدة في تحضير وجبات طعام للنازحين.
وبين الأشجار المحيطة به، تحول المطعم بهدوء إلى مكان للصمود والتلاحم أثناء الحرب، يمضي فيه المتطوعون يومهم بإيقاع منظم بين تجهيز المكونات والطهي والتوزيع وانتظار النازحين لاستلام وجباتهم.
وفي نهاية كل مناوبة عمل، يحق لجنى أن تأخذ بضع علب طعام إلى المنزل كـ"أجرها". وتتقاسم عائلتها الآن مع عائلة نازحة أخرى شقة مستأجرة في غرب بيروت.
وقالت جنى إن "هذا العمل التطوعي يسمح لي باستغلال وقتي بشكل مفيد أثناء الحرب، لفعل شيء ذي معنى. وعلينا أن نتماسك لنبقى على قيد الحياة، لنتعامل مع الوضع".
ووصف رامي سالم صاحب مطعم "رصيف" الموظفين والمتطوعين والزبائن الدائمين والمحتاجين بأنهم مجتمع متماسك. وقال "الناس للناس.. هكذا تُبنى روابط المجتمع".
ومطعم "رصيف" ليس الوحيد في هذا المجال. فبعد تجدد الحرب بين حزب الله وإسرائيل في أوائل شهر مارس، سارعت شبكة مبادرة ذاتية تضم منظمات شعبية، ومجموعات تطوعية، ومطابخ مجتمعية، ومواطنين عاديين إلى التحرك.
وانبثق العديد من هذه المبادرات عن تقاليد المساعدة المتبادلة التي تشكلت إثر انفجار مرفأ بيروت عام 2020، والنزاع بين حزب الله اللبناني وإسرائيل عامي 2023 و2024.
وعلى بعد عشر دقائق سيرا على الأقدام جنوب شرق مطعم "رصيف"، تقع مكتبة "برزخ"، وهي مساحة هادئة في الطابق العلوي، حيث يجلس الزبائن بجانب النافذة يقرؤون أو يتحدثون بهدوء، لا توحي بأن المكتبة توزع ما يصل إلى 2400 وجبة يوميا على النازحين أثناء الحرب.
وأطلقت المكتبة هذه المبادرة الإغاثية في اليوم الثاني من النزاع الحالي. وقال خضر الأخضر، المشرف على المبادرة، إنه شعر بالارتباك في البداية لأن أقل من عامين مضيا على آخر وقف لإطلاق النار، ولكن الموظفين لم يترددوا في بدء العمل مجددا.
وأضاف خضر "نحن نفعل كل ما في وسعنا".
وإلى جانب الطعام، توزع المكتبة البطانيات والملابس والمواد الصحية والأدوية وغيرها كما تتغير احتياجات النازحين.. ففي أوائل مارس، كانت ليالي بيروت لا تزال باردة، لذلك اشترت المكتبة ووزعت ما لا يقل عن 1400 بطانية؛ ومع ارتفاع درجة الحرارة، أصبحت الطرود الصحية أولوية متزايدة.
وأكد خضر أن اللبنانيين لديهم ارتباط عميق بأرضهم، وأن النازحين يتوقون للعودة إلى ديارهم. وتابع "لديهم الحق في العودة إلى حياة طبيعية، لوضع الخطط والاعتناء بحدائقهم، وفعل الأشياء التي يحبونها".
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخميس عن وقف لإطلاق نار لمدة عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل. وقال خضر "آمل أن تنتهي الحرب بشكل كامل. لا أن تكون مجرد توقف مؤقت، استعدادا للجولة التالية من القتال".
ووفقا لبيانات حديثة من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، نزح ما لا يقل عن 1.2 مليون شخص في لبنان منذ الثاني من مارس.
وبعد وقت قصير من بدء وقف إطلاق النار، بدأت أعداد كبيرة من النازحين في التوجه إلى ديارهم. وقالت يارا صايغ، مؤسسة المجموعة الشعبية "تروث بي تولد"، إن ما يقرب من ثلثي النازحين الذين كانت منظمتها تساعدهم قد غادروا الملاجئ.
ومع ذلك، رأت يارا أن العودة الآن محفوفة بالمخاطر "ولكن حتى لو دُمرت منازلهم، يفضل الكثيرون العودة لنصب خيمة بجانب منزلهم، أو حتى النوم في سياراتهم. إنهم يفضلون أن يكونوا على أرضهم، وبين أهلهم".
وفي الطابق السفلي من مقهى "رواق"، الذي يتعاون مع "تروث بي تولد"، لا تزال هناك أكوام من مواد الإغاثة. وأكدت يارا أنها ستواصل العمل، وبينما انخفضت الحاجة إلى الوجبات، قد تركز المجموعة بشكل أكبر على توزيع الأدوية.
وقالت يارا إن "مساعدة الآخرين يجب أن تكون غريزة إنسانية. حتى لو مات شخص واحد فقط، يجب أن يحزن البلد بأكمله".






