تحقيق اخباري: أسواق حلب القديمة تعود للحياة مع جهود سورية لترميم التراث المتضرر من الحرب
حلب، سوريا 17 أبريل 2026 (شينخوا) في أزقة أسواق حلب القديمة الضيقة ذات الأسقف المقببة، يتردد صدى صوت المطارق وهي تضرب الحجارة من جديد، في إشارة هادئة إلى عودة الحياة إلى أحد أقدم المراكز التجارية في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحرب الطويلة التي طالت الأسواق الأثرية هناك.
كانت أسواق حلب التاريخية، التي تمتد على مسافة 13 كيلومترا تقريبا عبر المدينة القديمة، أكبر سوق مسقوف في العالم، ودُمرت خلال بعض أشرس معارك الحرب السورية، حيث أحرقت النيران والقصف والنهب أجزاء كبيرة من السوق العريقة، مما أجبر التجار على هجر متاجرهم التي توارثوها عبر الأجيال.
أُدرجت هذه الأسواق على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1986، وكانت في يوم من الأيام مركزا تجاريا نابضا بالحياة على طول طريق الحرير.
في 2012، اندلع حريق هائل في أجزاء واسعة من الأسواق، مُدمرا مئات المحلات ومُتسبباً في انهيار مبانٍ عريقة، بينما خلّفت سنوات من القصف والقتال أجزاءً من السوق التاريخي في حالة خراب.
واليوم، بدأت أجزاء من الأسواق بالتعافي تدريجيا.
يعمل العمال على ترميم الأقواس التي سوّدتها النيران، وإعادة بناء الجدران الحجرية باستخدام مواد تقليدية، بينما يُعيد أصحاب المحلات فتح متاجرهم بحذر في الأزقة التي كانت تسودها الصمت.
قال محمود حزكن، حرفي يعمل في مجال صناعة الصابون، لوكالة أنباء ((شينخوا)) "المدينة القديمة هي روحنا، وفخرنا، وحضارتنا، وتاريخنا. سواء أكان الجامع الأموي، أو الأسواق القديمة، أو قلعة حلب، فهي كل شيء بالنسبة لنا".
بالنسبة لحزكن وغيره، فإن العودة ليست مجرد التجارة، إنها استعادة للهوية.
قبل الحرب، كانت الأسواق تعجّ بالسياح والتجار من جميع أنحاء العالم. قال حزكن "كانت هناك مجموعات سياحية من كل مكان،" وأضاف "نحن الآن بحاجة إلى الاستقرار،" مشيرا إلى أن التوترات الإقليمية المستمرة لا تزال تُلقي بظلالها على السياحة والتعافي الاقتصادي.
وفي مختلف أنحاء سوريا، يؤكد المسؤولون أن ترميم المواقع التراثية أصبح أولوية وطنية بعد أكثر من عقد من الصراع الذي خلّف أضرارا بالغة في العديد من المعالم التاريخية للبلاد، لافتين إلى أن هذا الجهد يحظى بمتابعة دولية دقيقة.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور مسعود بدوي، المدير العام للآثار والمتاحف، لوكالة أنباء ((شينخوا)) "العالم بأسره ينظر إلى سوريا ويريد أن يرى موقفها من قضية تراثها بعد 14 عاما من الحرب".
تضم سوريا 6 مواقع مُدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وقد أُدرجت جميعها على قائمة "المواقع المُعرّضة للخطر" التابعة للمنظمة خلال فترة الحرب، وتؤكد الحكومة السورية أنها تعمل الآن، بدعم دولي، على ترميم هذه المواقع وإزالتها من تلك القائمة في نهاية المطاف.
تعرضت مواقع تاريخية أخرى في أنحاء سوريا، بما فيها مدينتي تدمر وبصرى الأثريتين، لأضرار متفاوتة خلال الحرب، مما يُبرز حجم التحدي الذي يواجه الحكومة في الحفاظ على التراث الثقافي للبلاد.
وتُعدّ مدينة حلب القديمة من بين أكثر المناطق تضررا.
وقال بدوي "إنّ أشدّ الأضرار التي لحقت بالمدن المدرجة على قائمة التراث العالمي تقع في مدينة حلب القديمة، ولا سيما الأسواق التي دُمّرت بالكامل تقريبا".
وأضاف أن الحكومة أنجزت دراسات شاملة لإعادة تأهيل الأسواق بالكامل، ومن المتوقع أن تتمّ عملية إعادة الإعمار على مراحل، وقال "هذه العملية تستغرق وقتا، ولكن في نهاية المطاف، ستعود مدينة حلب القديمة إلى سابق عهدها".
وفي الوقت نفسه، أكد المهندسون المشرفون على العمل على أرض الواقع أن حجم الأضرار لا يزال هائلاً، لكنّ التقدم ملحوظ.
وقال المهندس غيث مكانسي، وهو مسؤول في مشروع ترميم اسواق حلب القديمة "أنا متفائل بما تمّ إنجازه. فقد تعافت هذه الأسواق إلى حدّ كبير من الناحية التجارية والاقتصادية، ويعيد التجار فتح متاجرهم، ويعود الناس إلى ديارهم".
وتابع قائلا إن "الترميم يتطلب التزاما صارما بمعايير التراث، باستخدام المواد والتقنيات التقليدية للحفاظ على الهوية التاريخية للأسواق، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا ومكلفة.
وأكد المسؤولون أن أحد أكبر التحديات هو تأمين التمويل الكافي، إذ تتطلب مشاريع الترميم واسعة النطاق موارد مالية ضخمة، إلى جانب الحاجة إلى إزالة الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة من المواقع المتضررة.
ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، فحجم الدمار الهائل يعني أن إعادة البناء ستستغرق سنوات، ولا تزال بعض أجزاء الأسواق أطلالًا، وأسقفها المنهارة مكشوفة للسماء.
وأكد المسؤولون أيضا أن مشاركة المجتمعات المحلية لا تزال حاسمة لنجاح جهود الترميم، حيث يعود السكان إلى أحيائهم ويساعدون في إنعاش الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المناطق التاريخية.
وإلى جانب إعادة الإعمار المادي، قال الخبراء إن ترميم تراث سوريا يتعلق أيضا بالحفاظ على الشعور بالاستمرارية بعد سنوات من الاضطرابات.
وفي أسواق حلب القديمة، بدأت هذه الجهود بالفعل، حجرا مرمما ومتجرا مُعاد افتتاحه تلو الآخر.






