مقالة خاصة: بين التفاؤل والتشاؤم... كيف ينظر سكان جنوب لبنان إلى الاتفاق الإطاري؟

مقالة خاصة: بين التفاؤل والتشاؤم... كيف ينظر سكان جنوب لبنان إلى الاتفاق الإطاري؟

2026-06-27 19:08:30|xhnews

مرجعيون، جنوب لبنان 27 يونيو 2026 (شينخوا) لم يكد الإعلان عن توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن يخرج إلى العلن، حتى بدأ صداه يتردد في منازل النازحين ومراكز الإيواء في جنوب لبنان، حيث برز سؤال واحد على ألسنة كثيرين "هل يطوي هذا الاتفاق صفحة الحرب ويفتح الطريق أمام عودة آمنة إلى البلدات الحدودية"؟

في شقة متواضعة اتخذها مسكنا مؤقتا في بلدة حاصبيا، جلس النازح أبو علي جلال عواضة يتابع مراسم التوقيع عبر شاشة التلفزيون، لكنه لم يكن منشغلا ببنود الاتفاق أو الكلمات التي أُلقيت خلال المراسم، بقدر انشغاله بمصير بلدته الخيام التي اضطر إلى مغادرتها مع عائلته.

وقال عواضة لوكالة أنباء ((شينخوا)) "هل انتهت مأساتنا حقًا؟ وهل سيلتزم الجميع بهذا الاتفاق، أم أن الخلافات ستظهر عند مرحلة التنفيذ؟"

ويختصر هذا التساؤل هواجس آلاف النازحين من القرى الحدودية، الذين لا ينظرون إلى الاتفاق بوصفه حدثا سياسيا فحسب، بل باعتباره فرصة قد تنهي شهورا من النزوح والخسائر، وتمهد لعودة طال انتظارها.

وتنتشر في جنوب لبنان عشرات البلدات والقرى التي تعرضت خلال الأشهر الماضية لدمار واسع طال المنازل والطرقات وشبكات المياه والكهرباء والمدارس والمرافق العامة.

وكانت إسرائيل قد نشرت خريطة لما وصفته بـ"المنطقة الصفراء"، وهي شريط يمتد داخل الأراضي اللبنانية بعمق يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات، ويضم أكثر من ستين بلدة وقرية حدودية.

وفي هذه المنطقة، تبدو آثار الحرب واضحة في بلدات مثل كفركلا والعديسة وميس الجبل وعيترون وحولا والوزاني، حيث لا تزال أحياء سكنية بكاملها ممسوحة، فيما يواجه السكان صعوبات كبيرة في العودة بسبب حجم الدمار الذي طال البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وقال النازح الستيني حازم فرحات، الذي انتقل من بلدة دبين إلى بلدة عين قنيا في قضاء حاصبيا، إن ما يريده اليوم ليس أكثر من العودة إلى منزله وأرضه.

وأضاف "نأمل أن يضمن هذا الاتفاق عودتنا إلى بيوتنا، وأن يطلق عملية إعادة إعمار حقيقية تساعدنا على استعادة حياتنا وتأمين مستقبل أولادنا".

أما سلوى حميد، النازحة من بلدة عيترون إلى راشيا الوادي، فترى أن الاتفاق قد يشكل فرصة لتخفيف التوتر، لكنها تؤكد أن الحكم عليه يبقى مرتبطا بالتنفيذ.

وقالت لـ ((شينخوا)) "سمعنا كثيرا عن اتفاقات ومبادرات في السابق، لكن ما يهمنا اليوم هو أن نرى نتائج ملموسة على الأرض، لا مجرد وعود".

ومن بلدة بلاط في قضاء مرجعيون، قال أحد الطلاب الجامعيين حميل شحاذة إن أبناء جيله يعيشون حالة من القلق وعدم اليقين.

وأضاف "أننا نريد أن نبقى في أرضنا ونبني مستقبلنا هنا، لكننا نحتاج إلى استقرار حقيقي".

وتابع أن "هناك من ينظر إلى الاتفاق بتفاؤل، وهناك من يتحفظ عليه، لكن الجميع ينتظر ما ستكشفه الأيام المقبلة".

وتعكس هذه الشهادات جانبا من المزاج السائد في القرى الحدودية، حيث يمتزج الأمل بالحذر، ويترقب السكان ما إذا كانت التطورات السياسية ستنعكس فعلا على حياتهم اليومية، أم ستبقى مجرد محطة جديدة في مسار طويل من الانتظار.

وفي بلدة ضهر الأحمر في البقاع الغربي، قال النازح جمال ذيب لـ (( شينخوا)) - يعمل في قطف ثمار المشمش داخل بستان يملكه أحد أبناء البلدة الذي استضاف عائلته منذ نزوحها - إن الحرب لم تحرمه من منزله فحسب، بل مصدر رزقه أيضا.

وأضاف أن "الأرض كانت حياتنا، وإذا لم تُعد زراعتها وتأهيلها فلن يكون لأي اتفاق أثر حقيقي بالنسبة إلينا، نريد أن نعود إلى حقولنا قبل أي شيء آخر".

أما راعي الماشية خالد الأحمد، الذي نزح مع قطيعه من بلدة عين عرب بعد نفوق عشرات رؤوس الماشية جراء القصف، رأى أن الوصول إلى الاتفاق يمثل خطوة مهمة، لكنه يعتقد أن التحدي الحقيقي يكمن في تنفيذه.

وقال لـ ((شينخوا)) "كما كان الوصول إلى الاتفاق صعبا، فإن تطبيقه على الأرض لن يكون سهلًا ونأمل أن يأتي اليوم الذي نعود فيه إلى المراعي التي اعتدنا العمل فيها، لكن ذلك يحتاج إلى استقرار وضمانات حقيقية".

وفي منزلها المؤقت في بلدة الرفيد شرق لبنان احتضنت النازحة الخمسينية نجلا حمدان صور اثنين من أبنائها اللذين فقدتهما خلال الحرب، واعتبرت أن الاتفاق لن يعوض خسارتها، لكنه قد يجنب عائلات أخرى الألم ذاته.

وأضافت لـ ((شينخوا))"لا شيء يعوض فقدان الأبناء، لكنني أتمنى أن تنتهي معاناة الناس، وأن تعود العائلات إلى قراها من دون أن تعيش ما عشناه".

بدوره، وصف المحاضر الجامعي حسام موسى الاتفاق بأنه "محطة سياسية مهمة، لكنها تحتاج إلى اختبار عملي على الأرض".

وقال لـ ((شينخوا)) إن سكان الجنوب "لن يحكموا على الاتفاق من خلال البيانات أو التصريحات، بل من خلال النتائج التي سيلمسونها في حياتهم اليومية، وفي مقدمتها الانسحاب من المناطق الحدودية، وعودة الأهالي إلى منازلهم، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وإحياء القطاع الزراعي، وإعادة فتح المدارس والمراكز الصحية".

وأضاف "سكان القرى الحدودية لا ينظرون إلى السياسة بقدر ما ينظرون إلى مستقبل عائلاتهم، وقدرتهم على استعادة حياتهم الطبيعية بعد أشهر طويلة من النزوح والخسائر".

ورغم اختلاف الآراء بين التفاؤل الحذر والتشاؤم والواقعية، فإن معظم من التقتهم ((شينخوا)) أجمعوا على أن نجاح الاتفاق لن يُقاس بما ورد في بنوده، بل بقدرته على إحداث تغيير ملموس على الأرض، يسمح بعودة السكان إلى بلداتهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستعادة دورة الحياة الطبيعية في المنطقة الحدودية.

ويأتي ذلك بعد توقيع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، في واشنطن أمس، اتفاقًا إطاريًا في ختام الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين الجانبين برعاية أمريكية، وسط ترقب لما ستفضي إليه المرحلة المقبلة على الأرض. 

الصور