(وسائط متعددة) مقابلة خاصة: خبير سعودي: تجربة الصين في الحوكمة الاقتصادية تقدم إلهاما للدول النامية
الرياض 29 يونيو 2026 (شينخوا) قال محمد الصادق، مدير وحدة الدراسات الاقتصادية في مركز البحوث والتواصل المعرفي في السعودية، إن تجربة الصين في الحوكمة الاقتصادية تقدم إلهاما مهما للدول النامية، لأنها لا تقوم على وصفة تقنية ضيقة، بل على منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط طويل المدى، والتنفيذ العملي، والتعلم المستمر من الواقع.
وأوضح الصادق، في مقابلة مع وكالة أنباء ((شينخوا)) مؤخرا، أن صعود الصين لم يكن "مجرد صدفة تاريخية"، بل كان ثمرة عمل طويل وتجربة تنموية عميقة بقيادة الحزب الشيوعي الصيني.
وأضاف أن التجربة الصينية تثبت أن التنمية لا تتحقق فقط بوفرة الموارد أو اتساع السوق، بل تحتاج إلى قيادة استراتيجية، ومؤسسات قادرة على التنسيق، وإرادة سياسية تضع الإنسان في صلب العملية التنموية.
وقال إن ما يجعل التجربة الصينية ذات أهمية خاصة للدول النامية هو أنها تفتح أمامها مجالاً أوسع للتفكير في مسارات التنمية، بعيداً عن الاعتماد الكامل على السردية الغربية التي طالما ربطت التقدم الاقتصادي بالنموذج الغربي وحده.
وأضاف أن "التجربة الصينية ألهمت العالم لمسار إيديولوجي وثقافي وإداري واقتصادي جديد"، مشيرا إلى أن هذه التجربة لا تعني أن على الدول الأخرى استنساخ النموذج الصيني حرفيا، بل تعني أن لكل دولة الحق في البحث عن طريق يناسب ظروفها التاريخية والاجتماعية والمؤسسية.
وفي حديثه عن التخطيط، رأى الصادق أن إحدى أبرز نقاط القوة في التجربة الصينية هي قدرتها على تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى مسارات تنفيذية متدرجة.
وقال إن الخطط الخمسية في الصين ليست مجرد وثائق إدارية أو شعارات عامة، بل هي أداة لتوحيد الاتجاه الوطني، وتنسيق السياسات بين المركز والمقاطعات، وربط الأهداف طويلة المدى ببرامج سنوية قابلة للقياس والمراجعة.
وأشار إلى أن مواصلة الصين إعداد وتنفيذ خططها الخمسية وصولاً إلى الخطة الخمسية الخامسة عشرة للفترة 2026-2030 تعكس "استمرارية مؤسسية نادرة في إدارة التنمية".
وأكد أن التخطيط الصيني لا يقوم على الجمود، بل يجمع بين الثبات الاستراتيجي والمرونة العملية. فالصين، بحسب قوله، تحدد اتجاهاتها الكبرى مثل التحديث الصناعي، والابتكار العلمي والتكنولوجي، والتنمية الخضراء، وتوسيع الطلب المحلي، لكنها تعدل أدواتها وسياساتها وفقا للظروف الداخلية والخارجية.
وقال الصادق إن هذه القدرة على الجمع بين الرؤية البعيدة والتعديل المستمر تقدم درسا مهما لحوكمة الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل اضطراب سلاسل الإمداد، وضعف التعافي الاقتصادي، وتسارع التحولات في الطاقة والتكنولوجيا.
وأضاف أن العالم اليوم بحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء قدرة استباقية على توقع المخاطر، وتنسيق السياسات، وتخفيف التقلبات. وفي هذا السياق، قال إن "التخطيط طويل المدى، عندما يقترن بالتنفيذ الواقعي والمراجعة المستمرة، يمكن أن يكون أداة فعالة لبناء الاستقرار والثقة".
كما أشار إلى أن الصين استفادت من تجارب الآخرين، لكنها لم تذب فيها. "تعلمت من اقتصاد السوق، ومن التجارب الصناعية الآسيوية، ومن الانفتاح العالمي، لكنها أعادت صياغة ذلك كله بما يتناسب مع واقعها الوطني، وحجم سكانها، وتفاوت أقاليمها، واحتياجاتها التاريخية".
ويرى الصادق أن هذا هو أحد مفاتيح نجاح التجربة الصينية، إذ استطاعت الصين بناء توازن دقيق بين حكومة فاعلة وسوق فعالة. وأوضح أن هذا التوازن لا يعني تغليب الدولة على السوق، ولا ترك السوق يعمل بلا ضوابط، بل يعني البحث عن صيغة ديناميكية تجمع بين التوجيه العام والكفاءة الاقتصادية.
وأضاف أن العقود الماضية شهدت ترويجاً واسعاً في الغرب لفكرة السوق الحرة ومبدأ "دعه يعمل"، غير أن انكماش الطبقة الوسطى في عدد من الاقتصادات الغربية واتساع الفجوة الاجتماعية أعادا طرح سؤال العلاقة بين السوق ودور الدولة.
وقال إن الصين قدمت في هذا المجال تجربة مختلفة، تقوم على استخدام أدوات الدولة لتوفير البنية المؤسسية واللوجستية للتنمية، ثم فتح المجال أمام المبادرة الاقتصادية والمنافسة والإنتاجية.
وفي حديثه عن القيم التي تقوم عليها التنمية الصينية، قال الصادق إن فهم التجربة الصينية لا يكتمل من دون فهم فكرتها الأساسية، وهي أن التنمية ليست غاية مالية مجردة، بل وسيلة لتحسين حياة الناس.
وأوضح أن الصين تركز على مفهوم التنمية المتمحورة حول الشعب، أي أن النمو لا يقاس فقط بحجم الناتج المحلي الإجمالي، بل بقدرته على خلق فرص العمل، وتحسين الدخل، وتوسيع الخدمات العامة، وتقليل الفوارق، ورفع جودة الحياة.
وأشار إلى تجربة الصين في الحد من الفقر، قائلاً إن هذا الإنجاز لا يمكن تفسيره بالنمو الاقتصادي وحده، بل يرتبط أيضاً بالتعبئة الوطنية، والاستهداف الدقيق، والاستثمار في البنية التحتية الريفية، والتعليم، والصحة، وربط المناطق الفقيرة بالأسواق.
وقال الصادق إن كثيراً من الخبراء الغربيين تحدثوا سابقاً عن احتمال اصطدام الصين بما يسمى "فخ الدخل المتوسط"، لكن الصين ركزت على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وربط نتائجهما بالمنظومة الإنتاجية.
وأضاف أن أهمية التجربة الصينية تكمن في أنها لم تكتف بالانتقال من اقتصاد منخفض الدخل إلى اقتصاد متوسط أو متوسط أعلى، بل ركزت على تغيير نوعية النمو نفسه، من نمو يعتمد أساساً على الكلفة المنخفضة والاستثمار الكثيف، إلى نمو يقوم بصورة أكبر على الابتكار والإنتاجية والتكنولوجيا.
كما قال الصادق إن مساهمة الصين تتجاوز حدودها الوطنية. فبفضل الانفتاح عالي المستوى، وتوسيع التجارة، والاستثمار في البنية التحتية، والمشاركة في سلاسل القيمة العالمية، أصبحت التنمية الصينية ذات أثر عالمي متزايد.
وأشار إلى مبادرة الحزام والطريق بوصفها مثالاً على الشراكة القائمة على مبدأ "رابح ــ رابح"، موضحاً أن الصين استثمرت في البنية التحتية لعدد من دول الجنوب العالمي، في وقت كانت فيه هذه الدول تواجه شروطاً صعبة للحصول على التمويل اللازم لبناء بنيتها التحتية.
وقال إن الصين أقامت مع هذه الدول الكثير من المشاريع المشتركة، ليس بهدف تمويل الاستهلاك قصير الأجل، بل بهدف الاستثمار في البنية التحتية بما يساعدها على تحقيق نمو اقتصادي حقيقي ومستدام.
وأضاف أن الصين، عندما تواصل فتح أسواقها وتوسيع تعاونها الاقتصادي والمشاركة في بناء بنية تحتية عابرة للحدود، لا تدعم نموها الداخلي فحسب، بل تخلق أيضاً فرصاً جديدة لشركائها، ولا سيما دول الجنوب العالمي.
واختتم الصادق قائلاً "إن التجربة الصينية تقدم نموذجاً ذا دلالة خاصة للدول النامية"، التي تبحث عن طريق يجمع بين الاستقلالية والانفتاح، وبين النمو والعدالة، وبين الكفاءة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي".■








