مقالة خاصة: تحويل نفايات القطن إلى ورق أرشيفي .. طفرة مصرية في ترميم المخطوطات

الإسكندرية، مصر 29 يونيو 2026 (شينخوا) داخل أحد المختبرات في مكتبة الإسكندرية بمحافظة الإسكندرية شمال القاهرة، تُغلى قصاصات القطن الأبيض لمدة ساعتين، ثم تُخفق لتتحول إلى عجينة لبنية اللون، قبل أن تُرفع يدويًا على قوالب برونزية وتُكبس لتتحول إلى رقائق ورقية.
النتيجة هي أول ورق قطني محلي الصنع بنسبة 100 % في البلاد، ولم يُصمم بغرض الطباعة، بل لإنقاذ التاريخ.
تتميز هذه الأنسجة الورقية الجديدة المخصصة للأرشفة، والتي تم تطويرها للترميم الدقيق للمخطوطات القديمة، والكتب النادرة، والخرائط، والمراسيم الإمبراطورية، بأنها محايدة كيميائيًا ومتينة فيزيائيًا.
وعلى عكس ورق لب الخشب التجاري، الذي يميل إلى الاصفرار ويتفتت مع مرور الزمن، فإن هذا الورق المصري الصنع قد هُندس لحماية المخطوطات الهشة لأجيال قادمة.
وقد ولد هذا المشروع من رحم الحاجة؛ فعندما قطعت جائحة (كوفيد-19) سلاسل الإمداد العالمية، لم تعد مختبرات الترميم بالمكتبة قادرة على الحصول على الأوراق المستوردة المتخصصة التي تُستخدم تقليديًا في ترميم النصوص القديمة.
وتزامن ذلك مع انخفاض المخزون، وارتفاع التكاليف، مما أدى تقريبا إلى توقف أعمال الترميم.
ووفقًا لحسام الديب، رئيس قسم الترميم والتحكم البيئي بمركز المخطوطات في مكتبة الإسكندرية، فقد احتكرت اليابان وإيطاليا لعدة عقود تقريبًا صناعة أنسجة الترميم الراقية.
وقال الديب "اعتمدت هذه الهيمنة على مزايا جغرافية حصرية وأسرار تتوارثها الأجيال، وقد تصدرت اليابان هذا المجال لأن الشجيرات المحلية مثل (كوزو) تنتج أليافًا نباتية طويلة ومرنة بشكل فريد".
وأضاف أن ريادة إيطاليا جاءت من مطاحن يعود تاريخها إلى قرون مضت مثل "فابريانو"، والتي حافظت على تركيبات سرية تم تطويرها على مدى أجيال.
ولسد هذه الفجوة، انخرط المرممون المصريون في زمالات متقدمة في اليابان وإيطاليا، ونقلوا هذه المعرفة المتخصصة إلى مختبراتهم.
وبعد تجارب لا حصر لها، عثروا على مورد محلي بالغ الأهمية|، "الذهب الأبيض" المصري، وهو ألياف القطن طويل التيلة الفاخرة التي يتراوح طولها بين 35 و 45 ملم.
ومن خلال استخدام نفايات المنسوجات البيضاء النظيفة من مصانع الملابس المحلية، تجنب الفريق استخدام عوامل التبييض الكيميائية القاسية، مما منح ورقهم ميزة واضحة من حيث النقاء الكيميائي.
وقال سليمان أحمد، وهو مرمم مختبر رئيس شارك في التجارب التطويرية، إن الوصول بتركيبة القطن إلى مرحلة المثالية تطلب تجاوز المعادلات الكيميائية الجامدة لإتقان صناعة الورق اليدوية كشكل من أشكال الفن القائم على الحدس، حيث يقدر الحرفي فيزيائيًا الوزن الدقيق للماء وحركة الشاشة الحريرية.
وجاءت النتيجة في صورة نسيج ورقي خفيف كالريش، شبه شفاف، يكاد يكون من المستحيل تمزيقه باليد، ويندمج بشكل غير مرئي مع المخطوطات المتضررة.
وأوضح الديب قائلًا "لقد اعتمدت الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة رسميًا أن ورقنا المنتج محليًا يتجاوز بمراحل الحد الأدنى للمعايير العالمية الخاصة بالمتانة الورقية المخصصة للأرشفة".
وأضاف أن المكتبة ستزود قريبًا مراكز المخطوطات والترميم المصرية الأخرى بهذا الورق، وتسعى لتصديره إلى جميع أنحاء العالم.
وعند مكتب مراقبة الجودة، قالت لمياء عنتر رئيسة وحدة تصنيع الألياف المتخصصة، إن نظام الإنتاج المحلي قد خفف الضغوط المالية بشكل كبير.
وتابعت "كان استيراد ورقة واحدة في السابق يكلف 6 دولارات أمريكية. أما اليوم، فإن تصنيع هذا الورق محليًا يكلفنا قرابة دولار أمريكي واحد".
وتنتج الوحدة الآن نسخة مسطرة لترميم المخطوطات، ونسخة فائقة النعومة للفنانين التشكيليين، وأشارت لمياء عنتر إلى أن كل عملية ترميم تتبع المعايير الدولية التي تشترط أن تكون جميع المواد المضافة قابلة للإزالة بنسبة 100 % دون إلحاق ضرر بالأثر.
وأضافت "مع استقرار الإنتاج المحلي بالكامل، فإننا نسعى بنشاط للحصول على الاعتماد الدولي لتصدير هذا الورق الفاخر إلى المتاحف العالمية، هذه الخطوة تنقل مصر من مستورد يتأثر بالتقلبات إلى مركز دولي لصون التراث".












